تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Alonso ، وزحف الإسبانيون للاستيلاء على مرسية ، ولا نعلم هل استولوا عليها ذلك الوقت أم لا؛ فالمؤرخون سكوت عن حوادث تلك الحقبة البالغة نحوا من أربعين عاما، حتى إن المؤرخ «ماريانا» نفسه لم يذكر عنها شيئا.

وفي سنة 1219 المسيحية كانت حملة صليبية على مرسية زحف فيها مئتا ألف مقاتل من المسيحيين، فهل استولوا بالفعل على مرسية؟ إننا لا نعلم عن ذلك شيئا. فإن كانوا قد استولوا عليها فيكون استيلاء قصير الأمد، يستدل على ذلك من وصف الكتب العربية للاحتفالات الفخمة التي جرت في مرسية عند مبايعة الأمير ابن هود الثاني، وذلك سنة 1228، وتلقب ابن هود بالمتوكل على الله، وكان اسمه أبا عبد الله محمد بن يوسف الجذامي،

18

وقيل له ابن هود الثاني؛ لأنه سبق وجود أمير آخر من هذه العائلة بهذا الاسم، وكان ابن هود متصفا بالدهاء والمكر، وبالدهاء والمكر حقق كثيرا من مطامعه، وكان يتظاهر بالتدين استرضاء للشعب الإسلامي، وأقنع المسلمين بأن المصائب التي حلت بهم كانت ناشئة من فساد سياسة الموحدين.

وتمكن ابن هود من فتح غرناطة، فدخلها بجيش عظيم، واستولى أيضا على مدينة أستجة، وخشي سطوته سان فرناندو ملك قشتالة، وكذلك الدون خايمي ملك أراغون، الذي كان متطلعا إلى بلنسية. إلا أن جيوش قشتالة ظفرت بابن هود في معركة شريش الشهيرة. وفي ذلك الوقت اشتهر الدون «رونسو سوارس دو فيجيروا» الذي خلع العقيدة الكاثوليكية، وأظهر الإسلام؛ فوثق به ابن هود، وصار يعول عليه، فعرض الدون فيجيرو هذا على ابن هود أن يذهب إلى جيش المسيحيين متجسسا ويعود إليه بجلية الخبر عن حقيقة قوتهم، ولم يدر في خلده أن الرجل الذي خان دينه الأصلي لا يتورع عن خيانة دينه الجديد؛ فأذن ابن هود له في الذهاب إلى ملك قشتالة، فكانت نتيجة سفارته هذه أنه دل الملك القشتالي على عورات المسلمين ومواقع ضعفهم، وعاد إلى ابن هود فوصف له قوة المسيحيين بأكثر مما هي بكثير تهويلا عليه وتثبيطا له عن الوقوف في وجههم.

وقد أصغى ابن هود إلى كلامه فانكفأ بجيشه تاركا الدفاع عن قرطبة التي كان ممكنا ذلك الوقت الدفاع عنها. وجاء ابن هود إلى المرية قاصدا منها ركوب البحر إلى بلنسية التي كانت أعلام أراغون الكاثوليكية أخذت ترتفع فوق حصونها وأبراجها.

وكان ابن هود من شيعة المرابطين، هواه معهم لا مع الموحدين أعدائهم. فلما وصل إلى المرية ألقاه قائدها عبد الرحمن بمزيد الاحتفال وبالغ في إجلاله، ولكنه كان يضمر له الشر لما بينهما من اختلاف المشرب؛ فإن عبد الرحمن هذا كان من جماعة الموحدين فقدر أن ينام هذان الرجلان تحت سقف واحد، فانتظر عبد الرحمن حتى تيقن أن ابن هود استغرق في نومه فخنقه بيده وهو نائم، ويذكر المؤرخ كندي أن هذا الحادث وقع سنة 1238، وعندما مات ابن هود أعلن أمير بلنسية زيد أبو زيد نفسه أميرا على بلنسية ومرسية.

وكان من حسنات ابن هود أنه أوجد الألفة بين المسلمين والمسيحيين في مرسية. فلما تولى أبو زيد خالف سياسة ابن هود وعسف المسيحيين عسفا شديدا، وقبض عليهم جميعا، وسجنهم في قصر حماد خارج أسوار المدينة، وأكرههم على ترك دينهم أو يقتلوا تقتيلا.

قال صاحب تاريخ مرسية المذكور: إن كثيرا من هؤلاء المسيحيين استقبلوا الشهادة فرحين مسرورين. ثم ثار المسلمون بمرسية على أبي زيد هذا فالتجأ إلى قلعة قراباقة، وكان في القلعة عدد كبير من المسيحيين أراد أبو زيد أن يفعل بهم ما فعل بإخوانهم في مرسية، ولكن حال دون ذلك حادث قد يكون من تدبير العناية الإلهية لأجل إنقاذ هؤلاء المساكين وإنقاذ روح نفس الطاغية الذي كان يريد لهم الهلاك.

قال المؤرخ الإسبانيولي: وهذا الحادث لا يخطر بالبال، وسأقصه على القارئ بمثل البساطة والإخلاص اللذين قصه بهما غيري من المؤرخين، دون أن أثبته أو أنفيه حتى لا أتعرض لغلط بإزاء العقيدة الكاثوليكية، قالوا: اجتمع المسيحيون بحضرة الأمير أبي زيد منتظرين مصيرا كمصير إخوانهم في مرسية، فخاطبهم الأمير قائلا إنه يحب أن يرى كلا منهم متعاطيا أمامه المهنة التي من عادته تعاطيها؛ فامتثلوا أمره، وكان بينهم قسيس من قونكة يقال له «جينس بيريس كيرينو

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٤٨