وسنة 1170 تولى ابن لب (أي ابن مردنيش الذي كان الإسبانيون يسمونه بابن لب) أميرا على مرسية، واتفق مع ملك قشتالة، وعقد المعاهدات مع ملك آراغون، وفي سنة 1171 تحالف ابن لب مع بيرو رويس الصخرة
Pero Ruiz Azagra
صاحب إمارة «إستيلا
Estilla »، وفي سبيل هذا الحلف نزل ابن لب لحليفه المذكور عن مدينة ابن رزين
Albarracin
التي كانت من جملة أملاكه.
وفي تلك السنة نفسها ساءت علاقات ابن همشك بصهره ابن مردنيش من أجل أمور عائلية، وسفر الجو بينهما إلى أن مات ابن مردنيش في جزيرة ميورقة سنة 1172، ولما شعر أولاده بضعفهم عن أن يقاوموا المسيحيين والموحدين معا جاءوا إلى سلطان الموحدين وسلموه البلاد التي كانت في أيديهم واستظلوا بظله.
وقد ذكر لسان الدين بن الخطيب هذه الواقعة في كتابه الإحاطة، وقال ما محصله أنه في سنة ست وخمسين وخمسمائة في جمادى الأولى منها قصد إبراهيم بن همشك بجمعه مدينة غرناطة، وداخل طائفة من ناسها وقد تشاغل الموحدون بما دهمهم من اختلاف الكلمة عليهم، وتوجه الوالي بغرناطة السيد أبو سعيد إلى العدوة، فاقتحمها ابن همشك ليلا، واعتصم الموحدون بقصبتها فنصب لهم المجانيق وقتلهم بأنواع من القتل، فبادر السيد أبو سعيد وأجاز البحر، والتف به السيد أبو محمد وأبو حفص بجميع جيوش الموحدين والأندلس، ووصل الجميع إلى ظاهر غرناطة؛ فأصحر إليهم ابن همشك، فالتقى الفريقان بمرج الرقاد من خارجها، فانهزم جيش الموحدين، واعترضت الفل تخوم الفدادين وجداول المياه التي تتخلل المرج، فاستولى عليهم القتل، وقتل في الوقيعة السيد أبو محمد، ولحق السيد أبو سعيد بمالقة، وعاد ابن همشك إلى غرناطة فدخلها بجملة من أسرى الموحدين أفحش فيهم المثلة بمرأى من إخوانهم المحصورين، واتصل الخبر بالخليفة في مراكش؛ فجهز جيشا أصحبه السيد أبا يعقوب ولده وأبا يوسف بن سليمان داهية زمانه، فأجازوا البحر والتقوا بالسيد أبي سعيد بمالقة، واتصل منهم السير إلى قرية دلق من غرناطة، فانهزم ابن همشك.
وقال لسان الدين في ترجمة ابن مردنيش: إن ابن همشك يومئذ استصرخ ابن مردنيش، فخرج بنفسه في العسكر الكثير، من أهل الشرق والنصارى، فوصل إلى غرناطة واضطربت محتله بالربوة السامية المتصلة بربض البيازين، وتعرف إلى اليوم بكدية مردنيش، فلحق بجيان، واتصلت عليه الغلبة من لدن منتصف عام 560، فلم يكن له بعد ذلك ظهور، واستخلص الموحدون معظم ما بيده وحصروه بمرسية، ومات أثناء الحصار في عاشر رجب سنة إحدى وستين وخمسمائة وله ثمانية وأربعون عاما. انتهى. وجاء في كتاب الاستقصا أنه لما مات محمد بن مردنيش جاء أولاده وإخوته إلى أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن وهو بإشبيلية، فسلموا إليه بلاد شرقي الأندلس التي كانت لأبيهم؛ فأحسن إليهم أمير المؤمنين وتزوج أختهم، وأصبحوا عنده في أعز منزلة. ا.ه.
وقال لسان الدين في الإحاطة: إن محمد بن سعد بن مردنيش استولى على شرق الأندلس: مرسية وبلنسية وشاطبة ودانية، ثم اتسع نطاق ملكه فملك جيان وبسطة ووادي آش وقرمونة وأستجة وغرناطة، ونازل قرطبة وإشبيلية. قال: ثم فسد ما بينه وبين صهره ابن همشك، فكان سبب إدبار أمره، واستولى العدو في زمانه على طرطوشة عام ثلاث وأربعين وخمسمائة، وعلى حصن إفليج وحصن شرانية. ا.ه.
وقد وقع خلاف في مكان وفاة الأمير المذكور، فصاحب تاريخ مرسية الإسبانيولي يقول إنه مات سنة 1172، ولسان الدين بن الخطيب يقول: إنه مات وهو محصور بمرسية سنة 561.
ثم نعود إلى تلخيص تاريخ مرسية الإسباني فنقول إنه في الفصل التاسع عشر منه يذكر أن مرسية عاشت بعد وفاة ابن مردنيش فترة غير قصيرة في الفتنة والاضطراب، ولم تستطع أن تعود إلى رخائها السابق إلا بعد زمن طويل، وكانت الحروب في ذلك الدور ناشبة في الممالك الأخرى من إسبانية، ولا يذكر المؤرخون شيئا عن مرسية في هذه الفترة، ولا نعلم من أخبارها سوى أن خلف بن لب من أولاده اتبع سياسة والده في مهادنة ملك أراغون إلى أن انتهت مدة المهادنة، فتقرر في سنة 1179 بموجب اتفاق بين مملكتي أراغون وقشتالة أن يحتل مرسية ملك قشتالة آلونز