Aben Feda
فاحتز رأسه وركز الرأس على قناة وسار به إلى ابن عياض، وبذلك ختمت حياة عبد الله بن فطن الملقب بالثغري. ودخل ابن عياض المدينة فوجد الشوارع مغطاة بجثث القتلى من المسيحيين والمسلمين؛ فاستأصل أعداءه، لا سيما المسيحيين الذين كانوا قد أسرفوا في القتل؛ فعوقبوا بمثل ما عاقبوا، وجددت مرسية مبايعة ابن عياض، وتبعها جميع شرق الأندلس.
وفي الفصل السابع عشر يذكر المؤلف أن ابن عياض بعد أن استنقذ مرسية سار فيها سيرة حسنة، امتد بها عليها رواق الأمن، ورأب من أحوالها - ولا سيما من زراعتها - ما كان قد انصدع بالحروب المتوالية، وتمتعت مرسية بنعمة السكون مدة من الزمن، ولكن الفتنة أسرع شيء إلى أهل الأندلس، فما لبثت أن ظهرت من جديد عند بني جميل
Moros Beni Giomail
في نواحي «عقيل
Ekils »، فإنهم هناك شقوا عصا الطاعة، وثاروا في وجه الأمير ابن عياض؛ فخرج لقتالهم، فناوشوه القتال وخاموا عن لقائه في حرب فاصلة، فنهد إليهم في ليلة حالكة السواد يريد أن يكبسهم بياتا، ولم يكن أمامه إلا طريق واحد، وهو مضيق بين جبلين؛ فتقدم ومعه نخبة من فرسانه وأراد العبور، فكان الثوار كامنين على حافتي المضيق، فرموه بالسهام والصخور؛ فسقط مثخنا جراحا، ومات في ذلك اليوم، فانتقم المرسيون من الثوار انتقاما هائلا، وكانت لابن عياض جنازة حافلة ونقلت جثته إلى بلنسية.
وكان الحزن عليه عاما، وكان ذلك سنة 1147، وكانت ولايته على مرسية سنتين وتسعة أشهر وعشرين يوما، وكان قد عهد بالإمارة بعده لابن مردنيش؛ فبويع ابن مردنيش بالإمارة، ثم إن ابن عياض كان قد جعل نائبا عنه في مرسية علي بن عبيد الله أبا الحسن، فاستطاع هذا بحسن تدبيره أن يوطد السكينة في مرسية، وكان بعض المفسدين أشاعوا أنه يريد أن يستبد بالأمر ولا يعترف بإمارة محمد بن سعد بن مردنيش، إلا أن هذا الوالي عندما قدم ابن مردنيش إلى مرسية خرج للقائه، وقدم له مفاتيح البلدة، وكان يوما مشهودا اجتمعت فيه الوفود بحاضرة مرسية، وكان من جملة الوافدين ابن همشك
Aben Hemsek
الأمير، وكان واليا على شقورة، فجعله الأمير نائبا عنه في مرسية، وعاد إلى بلنسية وولى ابن همشك نائبا عنه في شقورة رجلا عادلا خافض الجناح اسمه ابن سعد أيضا. وأثنى صاحب الكتاب على إدارة ابن همشك في مرسية، وهو كلام في غاية الغرابة؛ نظرا لما اشتهر به ابن همشك من الظلم والعسف وسفك الدماء مما هو مستفيض في كتب الأندلس. قال: وبقي السلام مستتبا في مرسية إلى سنة 1165.
وفي الفصل الثامن عشر يذكر المؤلف أنه بعد عدة أعوام مضت بسلام، نشبت الحرب بين ابن مردنيش - ملك شرق الأندلس - وبين الموحدين أصحاب غرناطة. وروى كندي المؤرخ الإسباني أن ابن مردنيش خرج بجيش من بلنسية فمر بمرسية واستنفر للقتال صهره ابن همشك وأعيان مرسية، وكاشفهم بما في نفسه من نية الاستيلاء على غرناطة، فوافقوه وانضموا إليه، وساروا جميعا بجحفل جرار قاصدين إلى غرناطة، وكان مع ابن همشك عدد كبير من المسيحيين يبلغ ثلاثة عشر ألف مقاتل معظمهم من الفرسان، وكان منهم يتألف الحرس الخاص بابن مردنيش، فاصطلت الحرب بين رجال شرق الأندلس ومن معهم من النصارى وبين الموحدين؛ فانهزم الموحدون واستولى ابن مردنيش على غرناطة.
ولكن الغرناطيين لم يلبثوا أن جمعوا فلولهم وألفوا جيشا قويا تحت قيادة القائد الشهير أبي زيد بن عبد الرحمن، فكروا على غرناطة، واشتعلت الحرب، وكانت بين الفريقين ملحمة فظيعة ارتوت فيها الأرض بسيول الدماء، ودارت فيها الدائرة على جيوش ابن مردنيش وابن همشك، فتمزقت كل ممزق، واستؤصل المسيحيون الذين كانوا مع ابن مردنيش وابن همشك، وعرف المكان الذي دارت فيه المعركة باسم «فحص الأغلب»، وهو مكان يقع بين مدينتي القنطرية والقصر.