فلما رأى الكونت ريموند البرشلوني كثرة الأعداء، اعتقد أن ابن عمار خدعه وجره إلى صفقة خاسرة؛ فقبض على باديس بن المعتمد ملك إشبيلية واعتقله كرهينة عنده. ثم إن الجيش القشتالي هاجم الجيش البرشلوني وحليفه الجيش الإشبيلي؛ فدارت الدائرة على هؤلاء، ودخل المأمون بن ذي النون مرسية، وخضع له واليها ابن طاهر، وكان الوالي السابق أبو بكر أحمد بن إسحاق أبى أن يخلف الأمير زهيرا في الإمارة، ومات وقد ناهز التسعين، وكانت وفاته سنة 1064 المسيحية.
وفي الفصل التاسع يذكر المؤلف عبد الرحمن الثاني الطاهري ملك مرسية الذي جاء من بعد الفتى زهير الصقلبي الدلماسي، فتولى مدة ثلاثين سنة؛ أي من سنة 1051 إلى سنة 1081، وهو ابن أبي بكر بن طاهر، وقد كانت سياسته كسياسة أبيه كلها حكمة وعدالة؛ ولذلك سعدت مرسية في زمانه، ورجع إليها هناؤها الأول.
وكانت الأحوال في إشبيلية على غير استقامة، فأخذ ابن عمار يكيد لمولاه المعتمد؛ فأحب هذا إبعاده عن إشبيلية؛ فأشار عليه بفتح مملكة مرسية، ولما كان ابن عمار شديد الطموح أقبل على مرسية راغبا، واتفق مع أمير يقال له عبد الله بن رشيق، وقصد إلى مرسية، وعاثا في جنانها، وحصرا المدينة وضيقا عليها إلى أن فتحت أبوابها لجيش ابن عباد، فدخل ابن عمار إلى مرسية سنة 1079، وخلع ابن طاهر واعتقله في قلعة مونتاقوط، وكان أبو بكر بن عمار المذكور ناقما في الباطن على مولاه المعتمد، وربما مد يد الولاء إلى الأذفونش السادس صاحب قشتالة؛ فأجمع الاستيلاء على مرسية، ففي أول الأمر قاتله أهلها وهزموه؛ فعاث في أرضها واجتاح بساتينها وأفسد زروعها، ونشأ عن ذلك مجاعة شديدة تمكن بواسطتها من الرجوع إلى مرسية، ودخلها عنوة، وقتل أميرها ابن طاهر، وما زال يعسف الرعية حتى ثارت به وأخرجته من مرسية؛ فالتجأ إلى شقورة نزيلا على رجل من خواصه أسرع بإخبار المعتمد بن عباد أن ابن عمار صار في قبضة يده، فسار ابن عباد وقبض على ابن عمار - وزيره الخائن - وقتله فيما بعد، وكانت مدة ولايته على مرسية ثلاث سنوات.
17
وفي الفصل الحادي عشر يذكر المؤلف ذا الوزارتين الرابع من أمراء مرسية. بعد قتل ابن عمار جاء محمد بن هاجد - أمير لورقة - بجماعة من رجاله الأشاوس إلى مرسية، واتفق مع أهلها على تولية أحمد أبي عبد الله الملقب بذي الوزارتين من بني طاهر، وكان هذا الأمير عالما فاضلا عادلا صلحت مرسية وسعدت في أيامه، واعتنى بنشر العلم والأدب والأخلاق الفاضلة، وأعاد إلى مرسية العمران الذي كانت فقدته بظلم ابن عمار، واستمر في الولاية عشر سنوات إلى أن مات، وفي سنة 1090 أقبل يوسف بن تاشفين - ملك المرابطين - من إفريقية، واتفق مع ابن عباد على الأذفونش صاحب قشتالة، وهو الأذفونش السادس، فزحف جماعة من أهل مرسية منضمين إلى ابن تاشفين وابن عباد تحت قيادة شاب من أمرائهم اسمه عبد العزيز، ثم وقع الشقاق بين قواد العسكر الإسلامي، فشهر عبد العزيز هذا سيفه في وجه ابن عباد؛ فقبض ابن عباد على عبد العزيز وحبسه، فرأى أهل مرسية في ذلك إهانة لهم، فانفضوا من حول ابن عباد وابن تاشفين.
وفي سنة 1094 عاد الأذفونش السادس يحاول الاستيلاء على بلنسية، فاستنجد أهل بلنسية بأهل مرسية فتغلب على بلنسية القادر يحيى بن ذي النون بمساعدة الأذفونش، وانهزم جيش مرسية وقتل قائده وأسر ذو الوزارتين، وقد كانت ولاية ذي الوزارتين على مرسية من سنة 1084 إلى 1094، وبقيت مرسية في ذلك الوقت دون ملك يليها، فكان يوسف بن تاشفين يرسل إلها ولاة من قبله، فتأخرت حالها، وبعد موت يوسف وولاية ابنه علي ازدادت حال مرسية سوءا، وسنة 1144 كان يتنازع مرسية ثلاثة أحزاب: أحدها حزب محمد بن عبد الرحمن بن طاهر القيسي، والثاني حزب أبي محمد بن الحاج، والثالث حزب عبد الرحمن بن جعفر بن إبراهيم ؛ فابن طاهر استنجد ابن هاجد - قاضي لورقة - فذهب هذا القاضي برجاله وولى على مرسية قائدا اسمه ابن حمدين، وكان قائد قونكة، وهي مدينة عزيزة كثيرة العدد، كان اسم قائدها عبد الله بن فطن، وكان خصما لابن حمدين؛ فاتفق مع ابن طاهر وابن جعفر وزحفوا إلى مرسية ودخلوها، وصار الوالي على مرسية أبو جعفر بن أبي جعفر، ثم إن هذا انتقض على المرابطين، وقام الأهالي عليهم في مرسية وأوريولة، وقتلوا كل من وجدوه منهم، وأعلن صاحب قونكة نفسه أميرا على مرسية باسم الناصر لدين الله.