تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 785 ثار أحد أولاد يوسف الفهري وأثار أهل مرسية على عبد الرحمن الأول - ملك قرطبة - فاضطر هذا أن يزحف إلى مرسية وخيم في القنطرية، وأخذ ينصح للثائرين بالسكون ويستعمل الحكمة إلى أن تمكن من إدخالهم في الطاعة دون سفك دم، فدخل إلى مرسية وقد اجتمعت عليه الكلمة، فبقي في المدينة مدة من الزمن حتى وطد الراحة فيها، ثم عاد إلى قرطبة، حيث مات في 30 سبتمبر سنة 788، وقد ترحم عليه جميع سكان الأندلس، لا سيما أهل مرسية، وكان وزيره رجلا اسمه الحسن بن مالك الدمشقي (؟).

وفي الفصل الخامس يذكر أن السلام استقر في مرسية إلى سنة 800؛ إذ نشبت هناك وقائع دموية في غاية الشدة. وتحرير الخبر أنه بعد وفاة الملك هشام بن عبد الرحمن الداخل، قام بالأمر ابنه الحكم؛ فثار اثنان من أعمامه سليمان وعبد الله، وطلبا الملك وقاتلاه، ثم انحاشا إلى نواحي بلنسية، واعصوصب حولهما عدد كثير؛ فزحف الحكم إليهما، وتلاقى الفريقان في مرسية؛ فاعتصم سليمان وعبد الله بالبلدة إلا أن الحكم - وكان شديد البأس حازما صارما - تغلب عليهما، وقتل سليمان في المعركة، وانهزم عبد الله شريدا، ودخل الحكم مرسية وأمر عليها قائدا من خواصه اسمه «فضله بن عميسة» وكنيته أبو فلتة.

8

الذي توفي في سنة 813 فأقام الحكم ابن هذا القائد مقام أبيه أميرا على مرسية، أما عبد الله عم الحكم، فإنه عاد فخضع لابن أخيه وأقطعه هذا تدمير. وقد جاء في حاشية هذا الفصل أن الملك الحكم ضرب السكة باسمه، وكان مكتوبا عليها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. بسم الله، ضرب هذا الدرهم في مدينة الزهراء سنة 352.

الأمير الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين. انتهى كلامه.

قلنا: إن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل الذي تغلب على عميه سليمان وعبد الله هو غير الحكم المستنصر الذي ضربت باسمه السكة المذكورة، فإن الحكم الأول لم تكن في زمانه بنيت الزهراء، وكان عهده من سنة 180 للهجرة إلى سنة 206، فالذي ضرب هذه السكة هو الحكم الثاني الملقب بالمستنصر، ابن الخليفة عبد الرحمن الناصر، وقد كانت وفاته سنة 366.

ثم يقول في هذا الفصل: إن الصلح الذي وقع بين الحكم وعمه عبد الله كان بردا وسلاما على مرسية فازداد عمرانها وكثر سكانها، وفي تلك الأيام بنيت القني والسدود، وجرى توزيع المياه على الأرضين ولا يزال على ما هو عليه من ذلك العهد.

وفي الفصل السادس تكلم صاحب هذا الكتاب على موت الحكم، وقيام ابنه عبد الرحمن الثاني بالإمارة مقامه، وكان عبد الله المار الذكر عم الحكم أميرا على مرسية، فأراد الانتقاض على الملك الجديد ابن أخيه؛ فزحف عبد الرحمن إلى مرسية لقتال عبد الله، وتأهب هذا لملاقاته، وقبل أن تقع المعركة ابتهل عبد الله إلى السماء قائلا: تعلم يا رب ما عندي من كراهية أهوال الحرب، وإنما أنا أريد إنفاذ مشيئتك فانصرني في القتال إن كان حقي في الملك أرجح من حق ابن أخي، وأما إذا كان ابن أخي هو الأحق فلا تجعل على يدي أيها الرحمن الرحيم سفك دماء إخواني.

وما أنهى هذه الكلمات حتى ثارت عاصفة شديدة قلبته عن ظهر جواده وأصابه سكات، فاحتمله قواد جيشه إلى القصر وأغلقوا أبواب المدينة؛ فجاء عبد الرحمن وحصر المدينة، ولم يزد شيئا على حصارها، فمضت أربعة أيام، فأفاق الأمير عبد الله وعادت إليه قوة الكلام فأعلن أصحابه أن الله تعالى لا يريد هذه الحرب، وأنه معترف بإمارة عبد الرحمن؛ فوقع الصلح بين الاثنين، وأقر عبد الرحمن عمه عبد الله على إمارة تدمير، وما أريق في هذه الواقعة ولا نقطة دم.

وعاد الأمير عبد الرحمن إلى قرطبة بجيشه فائزا سالما، وعاش الأمير عبد الله بعد ذلك مدة سنتين؛ إذ كانت وفاته في «قراباكا» سنة 823.

وفي الفصل السابع ذكر المؤلف ازدهار غوطة مرسية مدة ثمانين سنة متوالية، وذلك بعمل المسيحيين الذين كان أتانايلد نفاهم من قراباكه سنة 745، والمغاربة المسلمين الذين جاء بهم حسام بن ظهار من قرطبة، وهم الذين جاء بهم الأمير عبد الله، وقد وصلت إلينا بالتواتر أسماء الزراع الأولين، الذين حولوا ذلك الوادي إلى جنان وفراديس، وشقوا الجداول وبنوا القرى والدساكر، فعرفت بهم وخلدت أسماءهم من ذلك في ناحية الجنوب المسماة بالقبلة

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٤٢