والذي نعلمه أنهم سموا ناحية أوريولة أو أوريوالة بتدمير اسم الأمير الذي كان يليها عندما جاء العرب، وكانوا يقولون لها تارة أوريولة، وتارة أوريوالة، وأحيانا تدمير - بضم أول الاسم - وربما لفظوها بالفتح. ثم قال المؤلف: إن هذه الولاية كانت تشتمل على ست مدن: مرسية، وأوريولة، وقرطاجنة، ولورقة، وموله، وأنجبالة، وكان فيها عدة قصبات وقرى ومرافئ بحرية وحصون وقلاع، وكانت مرسية واقعة في سهل أفيح على ضفة نهر يقال له «تادر
Tader »، وكان يحيط بها سور من زمن الرومانيين، ثم تداعى إلى الخراب في زمن القوط. وكان لمرسية حصن روماني يقال له «مونتي غودو»، فسماه العرب «مونتاقوت»، وأما الأمير تدمير فهو تدمير بن غبدوش
Tadmir ben Gabdos
من بقايا ملوك القوط، وهو الذي خلف الملك لذريق آخر ملوك القوط في إسبانية. ثم إنه لما استولى العرب على مرسية أداروا عليها سورا منيعا ذا أبراج، وكان لمرسية في زمانهم باب يقال له باب «إفريقية»، وهو الباب الذي بقرب الجسر الحاضر. وكان السور يمتد من هذا الباب إلى الشرق إلى الباب الآخر المسمى «بالقبلة» أو «بيب
5
المؤمن» الذي كان بقرب التياتر الحالي، وبين هذين البابين كان القصرالمسمى «بالنعاير
Naair »، الذي كان يقيم فيه ولاة العرب وملوكهم، وكان السور من باب القبلة إلى الشرق يمتد إلى باب أوريولة، وكان هذا في الساحة المنسوبة إلى القديسة «أولاليه»، ثم يتوجه السور من هناك نحو الشمال فالغرب حتى يصل إلى مكان الكنيسة التي يقال لها اليوم كنيسة الرحمة.
وكان على أبواب السوق بيت محصن يقولون له «دار الصغير»، وباب صغير يسمى «ابن عمادي»، ومن هذه النقطة كان السور يمتد إلى شارع «بورسل
Porcel » حيث كان الباب المسمى بالكوفية، ثم ينعطف السور نحو الجنوب إلى باب شقورة الذي يطابق اليوم الباب المسمى «باب بيلار
Pilar »، ثم إن السور يعود إلى الشرق فيتصل بالقصبة المسماة «بالقصر الكبير
Alcazar Quivir »، وهو المقر المعتاد لملوك العرب في مرسية، واعتماد هذا القصر على باب «إفريقية».
وكانت المياه تدافع عن السور، فمن جهتي الجنوب والشرق كان السور على ضفة نهر شقورة الذي يقول له العرب «وادي الأبيض
Guadalabiad »، وأما من جهتي الشمال والغرب؛ فقد كان العرب احتفروا خندقا أجروا فيه المياه، ولا يزال هذا الخندق إلى يومنا هذا والأهالي تسميه «بالوال» (أظنه محرفا عن الواد)، وهذا الخندق تنحدر إليه مياه الأمطار.
وكان الوادي الأبيض عليه جسر من الخشب، والمظنون أن العرب وجدوا على النهر جسرا رومانيا خربا، وكان هذا الجسر الروماني من الحجر، وكان في مرسية مبان فاخرة شامخة أشرفها القصر الكبير والمسجد الأعظم الذي كان في الساحة المسماة اليوم «بساحة كادناس
Cadenas ».
وكان باب إفريقة يشرع على سكة قرطاجنة وسكة لورقة، وأما طرق «زينيتة وبني أيل وبني حسن»، فكانت تنتهي إلى بيب المؤمن. وطريق أوريولة كانت تنتهي عند باب أوريولة، وكان يقال له أيضا: «بالنطولة
Valentola »، وأما طرق «مونتاقوط والإعراش
Alarach » فكانت تؤدي إلى «ابن عمادي»، وأما طرق الأندلس الجنوبية فكانت هي وطريق «قنطرة أسقيه
Askeya »، وهي البلدة المعروفة الآن «بالقنطرية
Alcantarilla » تنتهي بباب شقورة، كما أن طريق قشتالة كانت تؤدي إلى باب الكوفية.
هذا، وبعد عدة سنوات لا غير من استيلاء العرب على قطر تدميرة صير العرب مدينة مرسية وضواحيها جنة غناء، فبنوا محكمة بهندسة دقيقة في ساحات مرسية التي كان طولها ستة عشر ميلا وعرضها أربعة أميال. وكانت معارف العرب السامية، ولا سيما خبرتهم الزائدة في الزراعة قد صيرت ذلك الوادي من أبدع ما يكون لأجل خير الإنسانية.
وكان القوط في نواحي قنطرة الأسقية قد استخدموا مضيقا بين جبلين يخرج منه بهدير عظيم النهر الهدار الذي يقال له «تادر»، وكان صالحا لسير الزوارق إلى ذلك المضيق، فالعرب اختاروا هذا المضيق لحصر مياه النهر الأبيض، وشقوا منه أقنية وجداول وزعوا مياهها على الأرضين فأحيوها جميعا وأسعدوا بها تلك البلاد. قال بنكيري