ولنبدأ الآن وقد أردنا أن ننقل ما جاء في النفح من المعلومات الجغرافية عن الأندلس لنقارن بينها وبين معلومات سائر مؤلفي العرب كابن حوقل والإدريسي وياقوت وغيرهم. قال في الجزء الأول في صفحة 63 من الطبعة الأولى المنسوبة إلى المطبعة الأزهرية المصرية ما يلي:
الباب الأول
في وصف جزيرة الأندلس، وحسن هوائها، واعتدال مزاجها، ووفور خيراتها واستوائها، واشتمالها على كثير من المحاسن واحتوائها، وكرم بقعتها التي سقتها سماء البركات بأنوائها، وذكر بعض مآثرها المجلوة الصور، وتعداد كثير مما لها من البلدان والكور، المستمدة من أضوائها، فأقول:
محاسن الأندلس لا تستوفى بعبارة، ومجاري فضلها لا يشق غباره، وأنى تجارى وهي حائزة قصب السبق، في أقطار الغرب والشرق؟! قال ابن سعيد: إنما سميت بالأندلس ابن طوبال بن يافث بن نوح لأنه نزلها كما أن أخاه سبت بن يافث نزل العدوة المقابلة لها وإليه تنسب سبته.
477
قال: وأهل الأندلس يحافظون على قوام اللسان العربي لأنهم إما عرب أو متعربون.
478
انتهى. وقال الوزير لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى في بعض كلام له أجرى فيه ذكر البلاد الأندلسية، أعادها الله تعالى للإسلام، ببركة المصطفى عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام ما نصه:
خص الله تعالى بلاد الأندلس من الربيع وغدق السقيا، ولذاذة الأقوات وفراهة الحيوان، ودرور الفواكه، وكثرة المياه، وتبحر العمران، وجودة اللباس، وشرف الآنية، وكثرة السلاح، وصحة الهواء، وابيضاض
479
ألوان الإنسان، ونبل الأذهان، وفنون الصنائع، وشهامة الطباع، ونفوذ الإدراك، وإحكام التمدن، والاعتمار بما حرمه الكثير من الأقطار، مما سواها. انتهى.
وقال أبو عامر السلمي في كتابه المسمى «در القلائد وغرر الفوائد»: الأندلس من الإقليم الشامي
480
وهو خير الأقاليم وأعدلها هواء وترابا، وأعذبها ماء، وأحسنها حيوانا ونباتا، وهو أوسط الأقاليم، وخير الأمور أوساطها.
قال أبو عبيد البكري: الأندلس شامية في طيبها وهوائها، يمنية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظم جباياتها، صينية في معادن جواهرها، عدنية في منافع سواحلها، فيها آثار عظيمة اليونانيين أهل الحكمة وحاملي الفلسفة،
481
وكان من ملوكهم الذين أثروا الآثار بالأندلس هرقلس، وله الأثر في الصنم بجزيرة قادس وصنم جيليقية، والأثر في مدينة طركونة
482
الذي لا نظير له.
قال المسعودي: بلاد الأندلس تكون مسيرة عمائرها ومدنها نحو شهرين، ولهم من المدن الموصوفة نحو من أربعين مدينة. انتهى باختصار. ونحوه لابن اليسع إذ قال: طولها من أربونة إلى أشبونة، وهو قطع ستين يوما للفارس المجد. وانتقد بأمرين: أحدهما أنه يقتضي أن أربونة داخلة في جزيرة الأندلس، والصحيح أنها خارجة عنها، والثاني أن قوله ستين يوما للفارس المجد إعياء وإفراط، وقد قال جماعة أنها شهر ونصف. قال ابن سعيد: وهذا يقرب إذا لم يكن للفارس المجد. والصحيح ما نص عليه الشريف من أنه مسيرة شهر. وكذا قال الحجاري. وقد سألت المسافرين المحققين عن ذلك فعملوا حسابا بالمراحل الجيدة أفضى إلى نحو شهر بنيف قليل. قال الحجاري في موضع من كتابه إن طول الأندلس من الحاجز إلى أشبونة ألف ميل ونيف اه. وبالجملة فالمراد القريب من غير مشاححة، كما قاله ابن سعيد وأطال في ذلك، ثم قال بعد كلام: ومسافة الحاجز الذي بين بحر الزقاق والبحر المحيط أربعون ميلا، وهذا عرض الأندلس عند رأسها من جهة الشرق، ولقلته، سميت جزيرة، وإلا فليست بجزيرة على الحقيقة، لاتصال القدر بالأرض الكبيرة، وعرض جزيرة الأندلس في موسطها عند طليطلة ستة عشر يوما.
واتفقوا على أن جزيرة الأندلس مثلثة الشكل، واختلفوا في الركن الذي في الشرق والجنوب في حيز أربونة، فممن قال إنه في أربونة. وإن هذه المدينة تقابلها مدينة برديل التي في الركن الشرقي الشمالي أحمد بن محمد الرازي، وابن حيان. وفي كلام غيرها أنه في جهة أربونة، وحقق الأمر الشريف، وهو أعرف بتلك الجهة لتردده في الأسفار برا وبحرا إليها، وتفرغه لهذا الفن. قال ابن سعيد: وسألت جماعة من علماء هذا الشأن فأخبروني أن الصحيح ما ذهب إليه الشريف، وأن أربونة وبرشلونة