نعم لا أنكر أن (كتاب نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) للعلامة المقري هو من أوفى الكتب بأخبار الأندلس وآدابها: حقيبة أنباء، وقمطر حوادث وخزانة آداب، وكشكول لطائف، وديوان أشعار، وقد كان عهد تصنيفه على أثر النازلة الكبرى بباقي الأندلس، وامتصاص سؤر الكاس، وعفاء الأثر الأخير من سلطان المسلمين فيها، بحيث أمكن صاحبه ذكر سقوط مملكة غرناطة، واستيلاء الأسبانيول على الجميع، وختم الدولة الإسلامية في تلك الديار، ولكنه ككثير من مؤرخينا أو مؤلفينا الذين لا يرعون النسبة بين الأشياء ولا ينتبهون إلى قاعدة أن الحسن إنما هو تناسب الأعضاء، فقد بحث في هذا الخطب الجلل، والحادث العمم، بحثا هو دون حقه بدركات، وأتى عليه كما يأتي على واقعة متوسطة البال، من الوقائع التي أشار إليها في بطن كتابه واستوعبه في أوراق يسيرة، كانت لطافتها تكون في كثافتها، فإن التناسب يقضي بإعطاء كل مقام من المقال ما يكافيه، ويقوم بحقه ويجيء على قدره. ولو فسح الفاضل المقري رحمه الله لواقعة سقوط مملكة غرناطة، وحادث انقراض أمر الإسلام بالأندلس، ما فسحه في تاريخه للنثر الكثير، الذي يغني عن كله بعضه من المخاطبات التي صدرت عن لسان الدين بن الخطيب، أو وجهت إليه، أو إلى غيره، أو الشعر الغزير الذي كثير منه حقيق بالإسقاط من ذلك المجموع، والقصص التي يرويها عن بعض المشايخ مع طول أناة غريب في الاستقصاء، مع أنه ليس فيها ما يرفع أقدارهم إلى السماء، لكان ذلك أجزل فائدة وأسنى موقعا، وكانت الناس قد شفت غليلها من خبر هذه الطامة التي لكل الحوادث سلوان يسهلها، وليس لها سلوان، كما قال أبو البقاء الرندي، ولكفينا مؤونة النقل عن كتب الإفرنج فيما يختص بالعرب، وحسبك أنه ذكر جميع وقائع السلطان أبي عبد الله بن الأحمر، وعمه الزغل، وذهاب تلك المملكة، وما جرى في ضمنه من الحروب وما حصر من المدن، في مسافة من التاريخ، استوعبت أطول منها رسالة، واحدة صادرة عن ذلك السلطان إلى الشيخ الوطاسي صاحب فاس في موضوع أبرد ما فيه، مع طوله، أنه اعتذار عن سقوط آخر ممالك المسلمين بالأندلس على يده، بأن الخطب غير نادر المثال، وأن بغداد، دار خلافة بني العباس، قد أصابها ما أصاب غرناطة! فانظروا هل هذا مما يؤثر على طوله، أو مما ترتاح الأنفس إلى قبوله، على فرض صحة تمثيله؟ وإن كان العذر في ذلك ما يقال من أن صاحب النفح قد ألفه وهو نضو أسفار، خال من الأسفار، ليس لديه من العدة ما يستعين به على الإطالة، والأخذ بالأطراف، فسبحان الله! كم يتلهى بعض علمائنا بحفظ ما لا ينفع عن تعليق ما ينفع؟! وهذا الفاضل المقري قد أملى عن ظهر قلبه أربعة مجلدات كبار، أودعها من التاريخ والجغرافية والقصص والنكات، وحشاها من الشعر والنثر والتراجم والتصوف. غثا وسمينا، ما لا أظن حافظة تتمكن من اختزانه بين صدغين، وتركنا في التاريخ المهم من تفصيل الوقائع الشداد، والمعارك التي سالت فيها أنهر الدماء، في دور النزع الأخير، عيالا على الإفرنج، مضطرين إلى الأخذ من مصنفاتهم، فكنا وإياهم في أخذ تاريخنا عنهم كما كنا في أخذ لغتنا عن صحاح الجوهري.
475
ولا لشك أن في ديار المغرب من التواريخ عن كارثة الأندلس الأخيرة ما يستوفي شرحها
476
ولكنه لم يشتهر عندنا في المشرق غير نفح الطيب من متأخر التآليف، وهذه هي الحال معه، فلا عجب أن ساقنا حب الاستقصاء، واقتفاء أثر أبناء الجلدة، إلى أخذ أخبارنا عن الأجانب وتلونا: (هذه بضاعتنا ردت إلينا) ا.ه.
هذا ما كتبته عن نفح الطيب يوم كنت في السابعة والعشرين من العمر، ولست من بعد مضي تسع وثلاثين سنة على ذلك القول براجع عنه اليوم من حيث الجوهر، وإن كنت أراني الآن أقل قسوة، وأكثر عطفا على المقري وأعظم تقديرا لما أملاه في كتابه، ولا عجب فالذي عند الشيخ من سعة الطبع، وقبول العذر، ليس عند الشاب.