وهذا الكتاب الذي صنفناه هو بكر في بابه؛ فإن مؤرخي العرب لم يفردوا بالتأليف غير تواريخ الأندلس، فأما تاريخ فتح العرب لجنوبي فرنسة وشمالي إيطالية وقسم من سويسرة وجزائر البحر المتوسط، فلم يخصص به تأليف قبل تأليفنا هذا، فكنا نرى لأجل زيادة التوثيق وجوب نقل روايات الإفرنج بعينها؛ حتى لا يظن ظان أننا وضعنا من عند أنفسنا مآثر للعرب أو أننا بالغنا فيها.
وزد على ذلك أن ناشئتنا مع الأسف مولعة بتصديق روايات الإفرنج دون العرب، وإذا جاءت رواية عربية غير مقرونة بروايات أوروبية ضعفت ثقتهم بها فلأجل معرفتنا هذه الحالة الروحية عندهم تعمدنا في هذا الكتاب النقل عن الأوروبيين وعن المآخذ التي اعتمدوا عليها، وعلقنا على روايات من نقلنا عنهم حواشي يعرف قيمتها من له بصر بالتاريخ، وهذه الحواشي أخذناها من بعض كتب العرب الذين جاءت هذه الوقائع في تضاعيف سطورهم، وطبقناها على روايات مؤرخي الإفرنج، بحيث حصل اليقين بصحة تلك الروايات.
إذن ليس بصحيح أننا نحن لم يكن لنا في الكتاب سوى الترجمة، بل من قرأ الكتاب علم ما فيه من مقدمات وحواش وجمل معترضة وذيول، هي كلها من قلمنا، وليس ثمة تناقض بين ترجمتي لكلام رينو وكلر وقولي في المقدمة: «إنني خصصت بهذا الموضوع كتابا مستقلا، وجعلت هذا الكتاب أشبه بجزء من أجزاء كتابي الذي أنا مباشر تأليفه عن الأندلس ... إلخ.»
فأما كوننا نقلنا إحدى الروايات المستغربة بدون أن نعلق عليها ما ينقضها، وأنه كان الواجب أن نرد قول ابن القوطية من أن طارق بن زياد شوى لحم بعض أعدائه وأطعمه جنوده ليلقي الرعب في قلوب الأعداء، فالجواب عنه: ليس كل ما ينقله الإنسان يجب أن يرد عليه، لا سيما إذا كان الرد معتمدا فيه على مجرد العقل، بينما التاريخ هو عبارة عن نقل، ولا يرد المؤرخون منه بدليل العقل سوى ما يبدو لهم مستحيلا أو بالغا من الغرابة ما يقرب من المستحيل، وليست هذه المسألة من هذا الباب، والسلام. انتهى.
أما كتاب «ضون بونسوا سبيريان»، فله مقدمة يقول المؤلف فيها: إن إحراق كتب العرب أنى وجدت في إسبانية بأمر الكردينال شيميناس قد كان السبب في الجهالة التي أحاطت بتاريخ العرب والإسلام عند الإسبانيين، وقد تتبع ديوان التفتيش المشهور كتب المسلمين بالإحراق والإتلاف بإغراء أساقفة النصارى إلى الحد الذي أضر ضررا فاحشا بالصناعة والزراعة والمعارف والفنون مما كان خلفه لنا العرب الحكماء العاملون على درجة عالية، فجرى في إسبانية بعد سقوط الدولة العربية ما جرى فيها بعد سقوط الدولة الرومانية من التدني والانحطاط مع الفرق بأنه جاء بعد الرومان قبائل القوط العاتية، الذين لا ينتظر من مثلهم إحياء المدنية، وأنه جاء بعد العرب النصارى الكاثوليكيون الذين يزعمون أنهم محبون للعلم وناشرون للأنوار.
ثم قال: إن بعض المؤرخين حاولوا الاستقاء من منابع العرب، فكان يحول بينهم وبين علوم العرب الحجر الواقع من قبل أخبار الكنيسة. والمؤرخ الوحيد المعاصر للعرب، وهو «أزيدور الباجي
Isidore de Beja »، لم يكتب من التاريخ ما يتجاوز سنة 754 (للمسيح)، وجاء بعده المسمى «بالسلمانتيسنس
Salmanticenese » الذي أراد أن يكمل تاريخ الباجي فلم يتجاوز سنة 886، ثم جاء الراهب فاجيلا
Vegila
فوصل إلى سنة 975، ثم جاء سامبيرو
Sampiro
الأستوري فوصل إلى سنة 982، ثم جاء المؤرخ «أوفيدوبيلاج»
Oviedo Pelage
فوصل بالتاريخ إلى سنة 1109. ولم تكن كتابات هؤلاء المصنفين الأربعة إلا مجرد تقييد وقائع.
ثم جاءت تقييدات قلعة أيوب فوصلت إلى سنة 1119، وبعدها قيود شنت ياقب فبلغت سنة 1248، ثم قيود طليطلة فبلغت سنة 1290، وكلها كانت على النمط الذي تكلمنا عليه، ثم إن «رويز غيمينار
Ruiz Gimenez » - رئيس أساقفة طليطلة - كتب تاريخا لعرب إسبانية باللاتيني، ولكنه كان بغاية الاختصار. وكذلك المؤرخ العربي الرازي الذي ترجمه «جيل بيريز