تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان بناء العرب لمرسية في زمن عبد الرحمن الثاني الأموي سنة 209 للهجرة الموافقة 824 للمسيح، ثم ازدادت عمرانا وأصبحت من حواضر الأندلس في زمن عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر، ففي أيامهما بنيت هذه السدود والحواجز التي بها جرى توزيع المياه على البساتين من جدولين كبيرين، وتتشعب الجداول كلها من هذين الجدولين، ولولا هذه الحواجز وهذه القني لم تكن مرسية هذه الجنة العجيبة التي هي ما عليه الآن. وقد ذكروا لي أنه في زمن استئثار «ريفيرا» بالأمر؛ أي منذ عشر سنوات، أرسلت الحكومة من مجريط إلى مرسية لجنة من المهندسين لأجل فحص قضية المياه وسدودها وأقنيتها لعل هذه اللجنة تلحظ شيئا من الخلل لم يلحظه العرب، فبعد أن طافت هذه اللجنة في تلك الأرض بالطول والعرض، قررت أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان، وأنه حسب مرسية أن تحفظ نظام توزيع المياه كما كان في زمن العرب. سمعت هذا من الإسبانيين أنفسهم.

وأما لذة فواكه مرسية وكثرتها فهما مما يكل عن وصفه القلم، فهي في ذلك كدمشق، وفيها كدمشق المشمش الذي لا نظير له، وهو يحفظ في معامل حفظ الثمار، ويصدر إلى الخارج، وفيها البرتقال الجيد الكثير، ومن أهم غلاتها الحرير، فإنه يخرج منها مليون كيلو من الفيالج، وفيها ثمر كثير في بساتينها، ومما شاهدته فيها معمل لهذا النبات المسمى بالفليفلاء، وهو ذو لون أحمر ساطع يسخنونه في هذا المعمل، ويصدرون منه مقادير إلى أميركا وغيرها، وفيها نوع من العنب كالعنب الحلواني المعروف في دمشق. (1) تلخيص تاريخ مرسية لضون فيلكس

ولنبدأ الآن بتلخيص تاريخ مرسية في زمن العرب الذي ألفه «ضون فيلكس بونسواسبريان» المتقدم الذكر، المطبوع سنة 1845 في المطبعة القومية بمدينة بالمه (ميورقة)، فإنه تاريخ خاص بمرسية، وجدنا فيه من التدقيقات ما لم نجده في غيره؛ فآثرنا تلخيصه في هذا الكتاب نصحا بالعلم وزيادة في التحري، مع عزو النقل إلى صاحب الكتاب والذين روى عنهم؛ فإن مقصدنا من الأول إلى الآخر إيصال القارئ إلى الحقائق ونشدان الروايات أنى وجدناها لا لإظهار البراعة والاستطالة بسعة العلم، وقد سبق لنا أننا أخرجنا تأليفا في غزوات العرب لفرنسة وسويسرة وإيطالية وجزائر البحر المتوسط، ولما كنا أول من أفرد هذا الموضوع بالتصنيف، ولم يكن هناك كتاب عربي مستقل بذكر هذه الفتوحات، التزمنا نقل روايات الإفرنج عن هذه الحوادث، وأكثرنا من الأخذ عن تأليف المستشرق الإفرنسي رينو

Reinaud

الذي سماه «غارات العرب على بروفنسا وسويسرة وبيامون»، فوجد من قال: إن كتابنا هذا لا يقال له تأليف، وإنما هو ترجمة كتاب رينو المذكور. ولقد كان من السهل علينا أن نذكر ما ذكره رينو دون أن ننسب الروايات إليه ودون أن ننقل بالأمانة العلمية الواجبة ما أورده في كتابه، وكان على تلك الصورة يعجب هذا النمط من القراء بتحقيقاتنا، إلا أننا نحن في واد وإظهار البراعة والتزيد بالعلم في واد، وضالتنا المنشودة الوحيدة هي إحراز الحقيقة بجميع ما يمكن من الوسائل؛ ولذلك عندما اطلعنا على ذلك الانتقاد في إحدى جرائد العراق نشرنا تحت عنوان «دفع نقد» ردا هذا نصه:

الاعتراض على كتابنا غزوات العرب في أوروبة والبحر المتوسط هو غير وارد، فإننا نحن لخصنا كتاب المستشرق الإفرنسي رينو قصدا وعمدا، وكذلك كتاب المؤرخ الألماني الدكتور فرديناند كلر. وقد كان يمكننا أن نسرد التاريخ جاعلين ذلك من عندنا كما يفعل الكثيرون في ما ينقلونه أو يترجمونه، ولكننا توخينا عمدا الترجمة والإسناد إلى مؤرخين أوروبيين معروفين، مع ذكر أسماء الكتب التي نقلوا عنها وأسماء الرواة الذين حضروا تلك الوقائع أو عاصروا الدهر الذي وقعت فيه، وذلك حتى تزداد ثقة القراء في هذه الروايات، فإن هذا الموضوع لما يطرقه أحد كتاب العرب.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٣٦