تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم في مرسية دار تحف فيها نفائس أثرية ومسكوكات وتصاوير، وأفخر ما رأيت من المباني في مرسية «الكازينو»؛ فإنه لا يوجد مثله في المدن التي هي أكبر بكثير من مرسية؛ وذلك لأن في مرسية عائلات عريقة في الثروة تملك أكثر هذه البساتين والجنان المدهشة التي لا نظير لها في الدنيا، فهؤلاء الأغنياء من أبناء البيوتات القديمة بنوا هذا الكازينو لأنفسهم، وجعلوا إنشاءه على الطرز العربي، ونقشوا على جدرانه وسقوفه كتابات عربية أشبه بالأزهار.

وفي مرسية شارع اسمه شارع «المنارة» وشارع آخر اسمه «السوقو»؛ أي السوق، وشارع اسمه «الزوقاقي»؛ أي الزقاق، وتوجد قرى كثيرة أسماؤها عربية، بعضها تحرف عن أصله وبعضها باق على أصله العربي، مثل «البركة» و«القرية» وغيرهما، وشاهدت في مرسية حماما قديما باقيا من زمان العرب ينزل الإنسان إليه في درج، ولم يكن هذا الحمام كما هو اليوم، بل كان مساويا لأرض الشارع الذي يشرع بابه إليه، وربما كان أعلى منه، غير أن توالي الخراب بكرور الأيام جعل طبقة من التراب ترتفع في الشوارع شيئا فشيئا، بحيث إن الأبنية التي كانت على مستوى الطرق قد أصبحت منحطة عنها. وهذا يحصل في جميع المدن القديمة التي عندما يحفر الإنسان في وسطها يجد طبقات من التراب قد تكاثفت مع الدهر فعلت مترا ومترين وثلاثة، ويجد تحتها الجدران والأبنية. وقد كانت هذه من قبل على سطح الأرض. وفي مرسية خزانة آثار عربية دخلتها فلم أجد فيها كبير أثر، بل كل ما هناك أربع أو خمس بلاطات عليها كتابات عربية، منها ما هو بالخط الكوفي، ومنها ما هو بالخط النسخي، وقد أصبح كثير منها غير مستطاع القراءة.

ورأيت في أحد شوارع مرسية صورة للعذراء مريم - عليها السلام - فلما وصلنا ومعي الدليل أمام هذه الصورة، روى لي الدليل قصة تتعلق بهذه الصورة؛ وهي أن النصارى كانوا استولوا على مرسية صلحا كما هو مذكور في التواريخ (هذا الصلح وقع بواسطة أحمد بن محمد بن هود قصد به حقن الدماء واجتناب خراب مرسية، ودخلها النصارى ظهر الخميس 10 شوال سنة 636)، وكان هذا الصلح على شروط معينة مبينة كما جرى في غرناطة بعد ذلك بثلاثمائة سنة، وكما جرى في غرناطة أيضا نقضها ملوك النصارى وقلبوا للمسلمين ظهر المجن.

والخلاصة أن مرسية بعد استيلاء النصارى عليها، صارت حارتين؛ حارة للمسلمين وحارة للمسيحيين، فوضع هؤلاء هذه الصورة في حارة المسلمين، وكان المسلمون اشترطوا للصلح حرمة شعائرهم الدينية، فاعترضوا على وضع هذه الصورة في حارتهم، وذهبوا إلى الأمير النصراني الذي في البلدة وطلبوا إليه رفع الصورة من هناك بحجة أنها مخالفة لشروط الصلح الذي وقع؛ فماطلهم الأمير في رفعها، وفي أثناء ذلك توفي وقام مقامه ابنه؛ فذهب المسلمون إليه يتقاضونه قلع هذه الصورة من حارتهم، فأجابهم بأن عملا لم يعمله والده لا يريد أن يعمله هو. فذهب المسلمون إلى أميرهم، ولعله ابن هود الذي عن يده وقع الصلح، فأجابهم أن هذه القصة لا تستحق أن نثير من أجلها شقاقا. سمعت هذه القصة في مرسية.

ولا شك في أن مرسية

3

كانت موجودة في زمن الأيبيريين، ولكنها لم تكن شيئا مذكورا إلا بعد فتح العرب للأندلس، وكانت تابعة للخلافة في قرطبة إلى أن انحلت الخلافة الأموية وصار الأمر إلى ملوك الطوائف، فمن ذلك العهد صارت تتبع تارة إمارة المرية وطورا إمارة طليطلة وربما تبعت إشبيلية. وفي سنة 1172 المسيحية استولت عليها دولة الموحدين، ثم صارت مركز إمارة مستقلة في زمن الأمير عبد الله العادل، وذلك سنة 1224، ولم يطل الأمر حتى استولى عليها النصارى بقيادة صاحب قشتالة الأذفونش فرديناند الثالث، وكان ذلك سنة 1243، ثم عاد المسلمون فأخرجوا النصارى منها، وبقيت في أيديهم ثلاثا وعشرين سنة، وعند ذلك زحف النصارى إليها بقيادة جاك الأول ملك أراغون، وانتهى الأمر بدخولهم إياها صلحا على شروط كما تقدم.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٣٥