وجاء في نفح الطيب: ومن كور الأندلس الشرقية تدمير، وتسمى مصر أيضا؛ لكثرة شبهها بها؛ لأن لها أرضا يسيح عليها نهر في وقت مخصوص من السنة ثم ينضب عنها، فتزرع كما تزرع أرض مصر، وصارت القصبة بعد تدمير مرسية، وتسمى البستان لكثرة جناتها المحيطة بها، ولها نهر يصب في قبليها. (ثم يقول): وأما شرق الأندلس ففيه من القواعد مرسية وبلنسية ودانية والسهلة والثغر الأعلى، فمن أعمال مرسية أوريولة والقنت ولورقة وغير ذلك. ا.ه.
قلت: أما النهر الذي في ناحية تدمير يشبه نيل مصر في فيضه بيوم مخصوص من السنة، فهو الذي بناحية «بيره» فإن لسان الدين بن الخطيب يقول عنها: «وواديها نيلي الفيوض والمدود، مصري التخوم والحدود، إن بلغ إلى الحد المحدود فليس رزقه بالمحصور ولا بالمعدود.» قلنا: وأما مرسية نفسها فلا غوطة غرناطة ولا غوطة بلنسية أسبح من غوطتها في بحر الخضارة والنضارة.
وعلوها عن سطح البحر 43 مترا، ونفس البلدة لا يزيد أهلها اليوم على 32 ألفا، ولكن مجموع سكان البلدة وسكان القرى الداخلة تحت إدارة بلدية مرسية 125 ألفا، ويمر في وسط مرسية نهر شقورة الذي كان يسمى عند القدماء نهر «تادر
Tader »، وهو من أجمل الأنهر، لا يبعد كثيرا عن محطة السكة الحديدية، وعليه طواحين باقية من أيام العرب، إحدى هذه المطاحن يدور فيها ثلاثون رحى، ومرسية شبيهة أيضا بدمشق من جهة استبحار خضارتها ونصوع نضارتها، وكون الجبال التي تعلوها مجردة من كل نبات كأنها صخرة صماء محاطة بجنة غناء، وأما هواؤها فكثير التقلب، وقد تبلغ درجة الحرارة فيها بعض أيام الصيف 44 بميزان سنتيغراد، وقد بت فيها ليلة واحدة دون غطاء أصلا والنوافذ مفتوحة، وكان الحر في الليل شديدا كما في النهار وربما أشد.
وكان نزولي في فندق على ضفة النهر اليسرى، وأمام هذا الفندق ساحة فسيحة، وأمامها جسر معقود على النهر، فبالرغم من شدة الحر انشرح صدري بمشاهدة هذا النهر الفياض الذي لتدفق مياهه في وسط تلك الحرارة لذة عظيمة. ولما أقبل العصر وضع أصحاب الفندق كراسي كثيرة في تلك الساحة مما يلي الفندق، فكان الجلوس هناك شهيا، وكانت سورة الحر قد انكسرت عما كانت في الظهيرة كما لا يخفى، ووجدت في مرسية أنسا لم أشعر بمثله في غيرها، لعل السبب في ذلك اعتقادي أنها كانت مدينة عربية صرفة. وأما في الشتاء فقد يشتد البرد في مرسية إلى حد أن بعض نباتها يموت من شدة الصقيع، فإنه يهب عليها في ليالي مارس رياح شمالية قارسة البرد.
وفي مرسية
2
بلدة جديدة على الضفة اليمنى من شقورة وشوارع رحبة وحديقة يقال لها: «جنة فلوريدا بلنقه
Floridablanca »، وفي البلدة القديمة ساحة يقال لها «ساحة الدستور
Constitucion » تنعقد فيها سوق يومي الأربعاء والسبت من كل أسبوع، فيتداعى إلى السوق الفلاحون من القرى. وأما الكنيسة الجامعة سانتا ماريا فقد كان بناؤها سنة 1358، بناها المطران ابن يارندة في مكان جامع، وأهم ما فيها برج علوه 95 مترا بناه الكردينال «ماثيو دولنقة
de’ Langa »، واشترك في عمله عدة من المهندسين، وإذا صعد الإنسان إلى رأس هذا البرج رأى منظرا عجبا يندر نظيره في العالم، فإنه يشرف على وادي شقورة ووادي سنقونيره
Sangonera ، ويسرح النظر منه حتى لورقة، ويرى الجبال المسماة «فونسانطا
fuensanta »، والشارع الأعظم في مرسية يفضي إلى الساحة المسماة «سانتو دومينيقو» عليها صفوف الأشجار. وفي مرسية شارع يقال له: بلاتيريا
Plateria ، وهو شارع ضيق فيه المخازن الكثيرة، وفي أيام الصيف يسدلون من فوقه ستائر بيضاء للوقاية من أشعة الشمس المحرقة.
وفي مرسية كنائس كثيرة منها سان نيقولا وسان جوان وسان ميكال وغيرها، وهي في ذلك لا تختلف عن سائر مدن إسبانية التي لا شيء فيها أكثر من الكنائس والأديار والمعاهد الدينية، وأظن أن كثرة هذه المعاهد قد جعلت عند الشعب ما يقال له رد فعل؛ فسئم الأهلون - لا سيما في العصر الحديث - كثرة الكنائس والأديار زيادة على احتياج الناس. ولما أعلن الحكم الجمهوري في إسبانية من سبع سنوات أحرق الشعب كثيرا من هذه الكنائس، ولما نشبت الحرب الداخلية من سنتين فتك الشعب بالرهبان والقسيسين وقتلوا منهم ألوفا مؤلفة، وهدموا من الكنائس ما لا يحصى عدده.