ويقال إن باني هذه البلدة هو أسدروبال
1
خلف هاملكار القرطاجني الإفريقي الذي في سنة 221 قبل المسيح، بنى هنا قلعة جديدة وأطلق عليها اسم قرطاجنة وطنه، وقد افتتحها الرومان سنة 309 قبل المسيح، وأقام فيها «بوليب» وهو وسيبيون سنة 151، ووصفها بوليب وذكر ما هي عليه من المنعة، وكان فيها هيكل يقال له «أسكولاب أشمون» في مكان الحسن المسمى اليوم بحصن «الحبل بلادنس»، وحصن آخر يقال له حصن «بارسيد» مبني على الأكمة الشمالية بالقرب من باب «سرته».
وكانت قرطاجنة في أوائل أيام الرومانيين تعد أعظم مدينة وأغنى مدينة في إسبانية، ثم تدنت أحوالها بعض الشيء في زمان «طاراكوا» الروماني، ولكنها بقيت مدينة تجارية عظيمة، وفي سنة 589 بعد المسيح في زمن الإمبراطور موريس أجريت فيها تحصينات لوقايتها ممن كان يغير عليها من الإفريقيين، ولما استولى العرب على إسبانية كانت ذات شأن، وكان فيها مركز إمارة مستقل، وكان استرجاع الإسبانيول إياها سنة 1243 المسيحية، إلا أن العرب طردوا الإسبان منها واستردوها، ثم عاد الإسبان فاستولوا عليها نهائيا في زمن جاك الأول ملك أراغون. ومن قرطاجنة هذه خرج الغزاة الإسبانيون الذين استولوا على وهران في بلاد الجزائر، وذلك سنة 1509.
وفي قرطاجنة رصيف على الميناء ينتهي من جهة الشمال بحائط يقال له سور البحر، وأعظم شارع في البلدة يمتد من ساحة «سانتا كتالينا» إلى الشمال الغربي منها، وفي هذا الشارع حركة التجارة، وللبلدة باب شرقي تمتد منه طريق تمر على حصن يقال له حصن العرب
Castillo de los Moros ، وإلى الشمال الغربي باب يقال له باب مجريط القديم، وهناك ساحة يقال لها إسبانية، وغيضة نخيل، وفي قرطاجنة دار صنعة أنشئت سنة 1876، تبنى فيها المراكب البحرية. وأمام مرسى قرطاجنة إلى الجنوب الشرقي جزيرة صغيرة يقال لها «إسكيمومبريرا
Iscombrera »، وعلى تسعة كيلومترات من قرطاجنة مدينة «الأونيون
Union »، يزيد أهلها على عشرين ألفا، فيها معادن رصاص قلعي معروفة من زمن القرطاجنيين الإفريقيين والرومانيين.
ولم نعثر على أسماء رجال من أهل العلم منسوبين إلى قرطاجنة، ولا شك في أنها كانت كغيرها من مدن الأندلس في الاعتناء بالعلم والأدب؛ لأن الحركة العقلية في الأندلس كانت عامة؛ فإن لم نكن عثرنا على أسماء علماء منسوبين إلى بعض البلاد فيكون ذلك لفقد الوثائق لا غير. وقد وجدنا مترجما في تكملة الصلة لابن الأبار محمد بن حسن بن محمد بن خلف بن حازم الأنصاري، من أهل قرطاجنة عمل مرسية، أصله من سرقسطة، ولي القضاء في قرطاجنة زيادة على أربعين سنة، وكان له حظ من الفقه والأدب، وتوفي سنة 632.
| هوامش
| مرسية
قال ياقوت الحموي: مرسية
Murcia ،
1
بضم أوله والسكون وكسر السين المهملة وياء مفتوحة خفيفة وهاء، مدينة بالأندلس من أعمال تدمير، اختطها عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، وسماها تدمير بتدمر الشام، فاستمر الناس على اسم موضعها الأول، وهي ذات أشجار وحدائق محدقة بها، وبها كان منزل ابن مردنيش، وانعمرت في زمانه حتى صارت قاعدة الأندلس، وإليها ينسب أبو غالب اللغوي المرسي، يعرف بابن البناء، صنف كتابا كبيرا في اللغة. ا.ه.
وجاء في صبح الأعشى أن الأندلس عدة قواعد: الأولى غرناطة، والثانية أشبونة، والثالثة بطليوس، والرابعة إشبيلية، والخامسة قرطبة، والسادسة طليطلة، والسابعة جيان، والثامنة مرسية، والتاسعة بلنسية، والعاشرة سرقسطة، والحادية عشرة طرطوشة، والثانية عشرة برشنونة (أي برشلونة).
فمرسية هي القاعدة الثامنة، ونقل صبح الأعشى عن تقويم البلدان أن موقعها في أوائل الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: حيث الطول ثماني عشرة درجة والعرض تسع وثلاثون درجة وعشر دقائق. قال في تقويم البلدان: وهي مدينة إسلامية محدثة، بنيت في أيام الأمويين الأندلسيين. قال: وهي من قواعد شرق الأندلس، وهي تشبه إشبيلية في غرب الأندلس بكثرة المنازه والبساتين، وهي في الذراع الشرقي الخارج من عين نهر إشبيلية، ولها عدة متنزهات منها «الرشاقة» و«الزنقات» وجبل «إيل»، وهو جبل تحته البساتين، وبسيط تسرح فيه العيون، ولها مضافات منها مدينة «موله»، وهي في غربي مرسية، ومنها أوريولة وغير ذلك. ا.ه.