تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وله بالشام تعلق من وجوه عديدة، هادية لمتأمله إلى الطريق السديدة،

أولها:

أن الداعي لتأليفه أهل الشام، أبقى الله مآثرهم، وجعلها على مر الزمان مديدة.

ثانيها:

أن الفاتحين للأندلس هم أهل الشام، ذوو الشوكة والنجدة الحديدة.

ثالثها:

أن غالب أهل الأندلس من عرب الشام الذين اتخذوا بالأندلس وطنا مستأنفا وحضرة جديدة.

ورابعها:

أن غرناطة نزل بها أهل دمشق، وسموها باسمها، لشبهها بها في القصر والنهر، والدوح والزهر، والغوطة الفيحاء.

وهذه مناسبة قوية العرى شديدة.

قد يكون كلام المقري هذا مما لا يعجب بعض الثائرين على السجع في أخريات هذه الأيام ولكنه ذو معنى كبير، وفيه تصريح خطير، ولذلك فإن ثورة هذه الفئة على السجع، والفاصلة، ليس من شأنها أن تقل من حد رغبتنا في نقل كلام يعود على وطننا الشامي بشقص كهذا من الفخر لم يوفره لغيره ثقة كبير، كأبي العباس أحمد المقري المغربي، إن لم يكن هو حجة في أخبار الأندلس فياليت شعري من يكون هو الحجة؟! فنحن رواة عنه، ونقلة من نصوص بأسجاعها وفواصلها وحروفها وحركاتها.

نعم إن «نفح الطيب» هو كتاب أدب، أكثر منه كتاب تاريخ، وقد قيل فيه، وكاد يلحق بالأمثال السائرة: إنه «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، الذي لم يقرأه فليس بأديب» ولكنه إلى هذا الوقت لا يزال عمدة المنقبين عن آثار الأندلس سواء في التاريخ أو في الجغرافية أو في الأدب أو في المحاضرة برغم كل ما فاته منها، ولا أزال أنا أستقي من منابعه برغم ما نقمت عليه في كتابي «مختصر تاريخ الأندلس» الذي حررته ذيلا على «آخر بني سراج»

Dernier Des Abencerrage

الرواية التي من قلم شاتو بريان الكاتب الإفرنسي الشهير، وقد ترجمتها إلى العربية وأردفتها بتاريخ للأندلس ونشرتهما سنة 1315.

فيناسب أن أعيد هنا ما كنت قلته من 40 سنة، وهو منقول بالحرف عن صفحة 60 و61 و62 و63 من ذلك الكتاب، طبعته الثانية بمطبعة المنار وهو هذا (تحت عنوان) «تمهيد».

إنما حداني إلى تذييل هذه الرواية أمران:

الأول:

إعانة القارئ على فهم الحوادث ومعرفة المواقع، بما تفقد بدونه لذة المطالعة.

والثاني:

ما رأيته من اختصار جرم الرواية، فآثرت إردافها بذيل يطيل من قدها، ويزيد في حجمها، ويكون فيه من حقائق الوقائع التاريخية ما لا يقصر فكاهة عن موهوم الرواية الغرامية، فجاءت روايتنا ذيالا، وإن لم نرج أن تكون طاووسا، وليست هذه أول مرة جرت فيها الروايات أذيالا، واتخذت القصص أذنابا طوالا.

وما أقصد بهذا الذيل استقصاء تاريخ الأندلس الإجمالي إلا ما اضطر إليه مساق الكلام. فقد كنت منذ نشأتي ممن لا يحبون التأليف فيما كثر فيه التأليف، وطال فيه المقال كأنما أعده تكرارا لسابق، أو إعادة لصدى، وأراه خلوا من كل براعة. وأخبار الأندلس مستفيضة في التواريخ شرقا وغربا، ومعروفة عند الأدباء بما لا يكون التأليف فيه سوى زيادة في عدد الكتب. وإنما يستحب الإنشاء في ما ندر فيه الكلام وعز البحث، وطمست الأعلام فإذا قرأته العامة، بل الخاصة، سقطت منه على جديد ذي طلاوة، ولم تسأمه النفوس، لعدم تداولها مطالعته المرة بعد الأخرى مدارسة كتب القواعد التي لا تتغير.

فأشد الأقسام عوزا إلى البحث من تاريخ هذه البلاد - التي لا نزال نحسبها عربية لكون أحسن أيامها ما كان من أيام العرب فيها - إنما هو القسم الأخير، وأحوج طائفة من أخبارها إلى التدوين ما تعلق بدور الجلاء، وعصر الخروج من بلاد كانت مدة الضيافة فيها ثمانمائة سنة، وذلك لأن هذا الحادث الكبير الذي هو أضخم الحوادث في الإسلام وقع على حين خمول من القرائح العربية، وبعد مرور زمن العلم والفلسفة عند معشر الناطقين بالضاد، ولدى إقحاط البلاد بالأدمغة المتوقدة، وعقم الأمة عن الرؤوس المولدة، بحيث فاته من التأليف والكتابة فيه ما لم يكن ليفوته لو وقع قبل ذلك بقرنين أو ثلاثة، فإنه لا عطر بعد عروس.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٢