تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم روى أنه مما يذكر أن أحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي هذا رأى النبي

صلى الله عليه وسلم

في المنام، فناوله أقلاما، فكان يرى أن تأويل هذه الرؤيا ما أدركه من التبريز في الكتابة وارتفاع الذكر، وقد تقدمت ترجمة المذكور بين علماء بلنسية.

وأبو عبد الله محمد بن مسعود بن خلصة بن فرج بن أبي الخصال الغافقي، ترجمه لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة، فقال: الإمام البليغ المحدث الحجة، أصله من فرغليط من قطر شقورة من كروة جيان، وسكن قرطبة وغرناطة. ا.ه.

قلت: إن نهر شقورة ينحدر من الجبال ويجري مسافة بعيدة إلى أن ينصب في البحر بقرب أوريولة، فمن الناس من ينسب إلى هذا القطر ويكون ساحليا، ومنهم من ينسب إليه ويكون جبليا. هذا ونقل لسان الدين عن ابن الزبير في حق المترجم قوله: ذو الوزارتين أبو عبد الله، من أهل المعارف الجمة، والإتقان لصناعة الحديث والمعرفة برجاله والتقييد لغريبه، وإتقان ضبطه، والمعرفة بالعربية والأدب، والنسب والتاريخ، متقدما في ذلك كله. أما الكتابة والنظم فهو إمامهما المتفق عليه والمتحاكم فيهما إليه، ولما ذكره أبو القاسم الملاحي بنحو ذلك قال: لم يكن في عصره مثله مع دين وفضل وورع.

قال أبو عمر بن الإمام الأشجعي في «سمط الجمان» لما ذكره: البحر الذي لا يجتاح ولا يشاطر، والغيث الذي لا يساجل ولا يقاطر، والروض الذي لا يفاوح ولا يعاطر، والطود الذي لا يزاحم ولا يخاطر ... إلخ. وذكره الفتح في «قلائد العقيان»، فقال إنه وإن كان خامل المنشأ فقد تميز بنفسه، وتميز من أبناء جنسه، وظهر بذاته وفخر لداته. ونقل لسان الدين عن أبي جعفر بن الزبير أن المترجم أخذ عن الغساني، وابن البادش، وأبي عمران بن أبي تليد، وأبي بحر الأسدي، وغيرهم، قال: وأما كتبه وتواليفه الأدبية فكل ذلك مشهور متبادل بأيدي الناس، وقل من يعلم بعده ممن يجتمع له مثله رحمه الله. روى عنه ابن بشكوال، وابن جيش، وابن مضاء، ومن شعره مخمسا، وكتبها من مراكش يتشوق إلى قرطبة:

بدت لهم بالغور والشمل جامع

بروق بأعلام العذيب لوامع

فباحت بأسرار الضمير المدامع

ورب غرام لم تنله المسامع

ودام بها من فيضها المتصوب

وإليك هذا الأنموذج من نثره ، وهو كتابة منه إلى الوزير أبي بكر بن عبد العزيز عن رسالة كتب بها إليه مع حاج يضرب بالقرعة:

أطال الله بقاء وليي الذي له إكباري وإعظامي، وفي سلكه اتسامي وانتظامي، للفضائل محييا ومبتديا، وللمحامد مشتملا ومرتديا، وللغرائب متحفا ومهديا، وصل كتابه صحبة عراف اليمامة، وحادي نجد وتهامة، الظهور يقرطسه ويحليه، والخفاء يظهره ويبديه، ولعله رائد لابن صياد، أو معاند للمسيح الدجال معاد، فأبدى شهادة إنصاف أن عنده أصداف، ولو كان هناك نظر صادق صاف، لقلت هو باد غير خاف، من بين كل ناعت وصاف، وسأخبرك أيدك الله بما اتفق، وكيف طار ونعق، وتوسد الكرامة وارتفق، فامتدت نحوه النواظر، واستشرفه الغائب والحاضر، وتسابق إليه النابه والخامل، وازدحم عليه العاطل والعامل؛ هذا يلتمس مزيدا، وذاك يبتغي شيئا جديدا ... إلخ.

ثم قال من جملة هذه الرسالة: ألم يأن أن تدينوا لي بالإكبار، وتعلموا أني من الجهابذة الكبار؟ فقلنا: منك الإسجاح فقد ملكت، ومنك ولك النجاح أية سلكت؛ فأطرق زهوا، وأعرض عنا لهوا، وقال: اعلموا أن القرعة لو طوت أسرارها وغيبتني أخبارها لمزقت صدارها وذروت غبارها، ولكان في أوسع منتدح وأنجد زناد يقتدح؛ أين أنتم عن صدى الأملاك وعليات الأفلاك؟! أنا في موج الموج وأوج الأوج، والمنفرد بعلم الفرد والزوج، مسترط السرطان، ومستدبر الدبران، وبائع المشتري بالميزان ... إلخ.

ثم نقل لسان الدين عن كيفية وفاة المترجم قال: من خط الحافظ المحدث أبي القاسم بن بشكوال: كان ممن أصيب في أيام الهرج بقرطبة؛ فعظم المصاب به، الفقيه الشيخ الأجل، ذو الوزارتين، السيد الكامل، الشهير الأثير، الأديب الكاتب البليغ، معجزة زمانه وسابق أقرانه، ذو المحاسن الجمة الجليلة الباهرة، والأدوات الرفيعة الزكية الطاهرة، المجمع على تناهي نباهته، وحمد خصاله وفصاحته؛ أبي عبد الله بن أبي الخصال - رحمه الله تعالى ونضر وجهه - ألفي مقتولا قرب باب داره بالمدينة وقد سلب ما كان عليه بعد نهب داره واستئصال حاله، وذلك يوم السبت الثاني عشر من شهر ذي الحجة من سنة أربعين وخمسمائة، فاحتمل إلى الربض الشرقي بحومة الدرب ؛ فغسل هنالك وكفن، ودفن بمقبرة ابن عباس عصر يوم الأحد بعده، ونعي إلى الناس وهم مشغولون بما كانوا بسبيله من الفتنة، فكثر عند ذلك التفجع لفقده؛ لأنه كان آخر رجال الأندلس علما وحلما، وفهما ومعرفة، وذكاء وحكمة، ويقظة وجلالا، ونباهة وتفننا في العلوم، كان صاحب لغة وتاريخ ومعرفة برجال الحديث، عارفا بوقائع العرب وأيام الناس وبالنثر والنظم، جزل القول، عذب اللفظ، حلو الكلام، فصيح اللسان، بارع الخط، كان في جميع ذلك واحد عصره مع جمال منظر وحسن خلقة وكرم فعال ومشاركة إخوان، جميل التواضع، حسن المعاشرة لأهل العلم، نهاضا بتكاليفهم، حافظا لولائهم، جم الإفادة، له تصانيف رفيعة القدر نبيهة. ا.ه. ملخصا.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٢٧