3
هذا وقد انتسب إلى القنت أناس من أهل العلم، ترجم منهم ابن الأبار محمد بن أحمد بن محمد بن سفيان السلمي، يكنى أبا بكر، نزل مدينة تلمسان، روى عن أبي محمد بن أبي جعفر، وأبي القاسم بن الجنان، وكان متقدما في عقد الشروط، له بعض النفوذ في الشعر والكتابة، أجاز لأبي عبد الله بن عبد الحق التلمساني سنة 757.
وأبو زيد عبد الرحمن بن علي بن محمد بن سليمان التجيبي، من أهل القنت، سكن أوريولة من عمل مرسية، يعرف بابن الأديب، حج سنة 529، ورجع إلى الأندلس فتولى الصلاة والخطبة بجامع أوريولة مدة طويلة، ودعي إلى القضاء قلم يقبل، وحمل عليه في ذلك فاشتغل به نحو شهرين ثم استعفى منه فأعفي، وكان من أهل العلم والفضل والورع، حافظا لكتاب الله حسن الصوت به، إذا سمعت صوته عرفت أنه يخشى الله، متقللا من الدنيا، له بضاعة يتعيش من فضلها، فصيح الخطابة غزير الدمع، يبكي ويبكي إذا خطب، أخذ عن أبي محمد بن أبي جعفر في مرسية هو وبلديه أحمد بن محمد بن سفيان السلمي، ولما حج كان معه ابن عمه أبو أحمد محمد بن معطي التجيبي، وكانت حجته سنة 529، وكانت وفاته بأوريولة بعد سنة 540.
وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن سليمان التجيبي، نزيل تلمسان، من أهل القنت، سكن أبوه أريولة، أخذ القراءات بمرسية عن نسيبه أبي أحمد بن معطي، وأبي الحجاج النفزي، وأبي عبد الله بن الفرس، ورحل إلى المشرق فأدى الفريضة وأطال الإقامة هناك، وكتب العلم عن جماعة كثيرة أزيد من مائة وثلاثين من أعيان المشارقة، منهم أبو طاهر السلفي المشهور الذي اختص به، وحكي أنه لما ودعه قافلا إلى المغرب سأله عما كتب عنه، فأخبره أنه كتب كثيرا من الأسفار ومئين من الأجزاء؛ فسر بذلك وقال له: تكون محدث المغرب إن شاء الله، قد حصلت خيرا كثيرا.
قال المترجم: ودعا لي بطول العمر حتى يؤخذ عني ما أخذت عنه. وممن أخذ عنهم أيضا أبو محمد العثماني، وأخوه أبو الطاهر، وأبو الطاهر بن عوف، وأبو عبد الله بن الحضرمي، وأخوه أبو الفضل، وأبو القاسم بن جارة، وأبو الثناء الحراني، وأبو الحفص الميانشي، وغيرهم، ومن الأندلسيين أبو محمد عبد الحق الإشبيلي، وأبو جعفر بن مضاء، وأبو عبد الله بن الفخار، وأبو محمد اليسع بن حزم وغيرهم. وله في شيوخه تأليف مفيد جمع فيه أسماءهم على حروف المعجم، ذكر ابن الأبار أنه وقع إليه بخطه في سنة 640 وهو بتونس، وأنه نقل عنه في التكملة ما نسبه إليه، وقال إنه انتهى إلى تلمسان واتخذها وطنا له.
وذكر من جملة تآليفه برنامجه الأكبر، وبرنامجه الأصغر، ومعجم شيوخه، والفوائد الكبرى، والفوائد الصغرى كل منها جزء، ومناقب السبطين الحسن والحسين، والأربعون حديثا في المواعظ، والأربعون في الفقر وفضله، وجزء في الحب في الله، وجزء في فضل الصلاة على النبي - عليه السلام - وكتاب الترغيب في الجهاد خمسون بابا في مجلد، والمواعظ والرقائق سفران، وكتاب مشيخة السلفي، وروى عنه ابن الأبار نقلا عن أبي طاهر السلفي المذكور قال: أنشدنا أبو المكارم الأبهري قال: أنشدنا أبو العلاء التنوخي بالمعرة لنفسه:
توحد فإن الله ربك واحد
ولا ترغبن في عشرة الرؤساء
يقل الأذى والعيب في ساحة الفتى
وإن هو أكدى قلة الجلساء
فأف لعصريهم نهار وحندس
وحنسي رجال منهم ونساء
وليت وليدا مات ساعة وضعه
ولم يرتضع من أمه النفساء
قال المترجم: وسمعت شيخنا الحافظ أبا طاهر (أي السلفي) - رحمه الله - بالإسكندرية يقول: سمعت القاضي أبا محمد الموحد بن محمد بن عبد الواحد بتستر يقول: سمعت محمد بن علي الكازروني المقرئ بالأهواز يقول: دخلنا على أبي العلاء المعري منصرفنا من مكة ونحن جماعة، فسألنا عن أسمائنا وبلداننا وصنايعنا، فانتسب كل واحد منا، فلما سألني عن صناعتي قلت: أنا قارئ. قال: فاقرأ لي آية من كتاب الله تعالى، فقرأت