ومن البلاد الساحلية بين دانية والقنت بلدة يقال لها «بني دورم
Beni Dorm »، والغالب على الظن أنها لفظة عربية محرفة، لعل أصلها بني دارم، فإن هذا اسم معروف عند العرب. فدارم بن أبي دارم صحابي يروي ابنه أشعث عنه، ودارم بن مالك بن حنظلة من مالك بن زيد مناة أبو حي من تميم، ويجوز أن يكون بني الدرم، وهو جمع الأدرم، وبنو الأدرم حي من قريش الظواهر، وهم بنو تميم بن غالب بن فهر بن مالك، قيل له الأدرم؛ لأن أحد لحييه أنقص من الآخر. ويوجد في العرب بنو درماء أولاد عمرو بن عوف بن ثعلبة بن سالامان بن ثعل الطائي، ودرماء أمهم، وهم بالشام بقلعة الداروم وما يجاورها وهي قلعة بعد غزة للقاصد إلى مصر. ثم يصل القاصد وهو ذاهب إلى الجنوب بغرب إلى مدينة «لقنت».
| هوامش
| لقنت
وقد يقال لها: اليقنت
Alicante
أو القنت
Alkant ، وقد ذكر الشريف الإدريسي أن من مدينة دانية إلى مدينة القنت
1
غربا على البحر سبعين ميلا، قال: ولقنت مدينة صغيرة عامرة، وبها سوق ومسجد جامع ومنبر، ويتجهز منها بالحلفاء إلى جميع بلاد البحر، وبها فواكه وبقل كثير وتين وأعناب، ولها قصبة منيعة جدا في أعلى جبل يصعد إليه بمشقة وتعب، وهي أيضا مع صغرها تنشأ بها المراكب السفرية والحراريق، وبالقرب من هذه المدينة جزيرة تسمى «إبلناصة»،
2
وهي على ميل من البر، وهي مرسى حسن، وهي مكمن لمراكب العدو، وهي تقابل «طرف الناظور»، ومن طرف الناظور إلى مدينة القنت 10 أميال، ومن مدينة القنت في البر إلى مدينة ألش مرحلة خفيفة، ومن مدينة القنت إلى «حلوق بالش» 57 ميلا. ا.ه.
تقدم نقل هذا من جملة كلام الإدريسي، فأما القنت اليوم فهي مدينة بحرية ذات بال، سكانها يزيدون على خمسين ألفا، وهي مركز مقاطعة، وأصل اسمها في القديم «لوسانتم
Lucentune »، يظن أنها كانت إلى الشمال مما هي اليوم، وهي واقعة على فرضة يحدها من الشرق الرأس المسمى «هويرتاس
Huertas »، ومن الجنوب رأس «سانتابولا
Santa Pola »، وهو الذي كان العرب يسمونه بطرف الناظور، وأما من الجنوب فالمرسى مفتوح يشرف عليه الحصن العالي المنيع الذي يقول له الإسبانيون اليوم «سانتا بربارة
Santa Barbara »، والشتاء في القنت لطيف إلا أن الهواء كثير التغير، وفي الصيف يشتد الحر إلا أنه يبقى أخف من حر مرسية، وقد ساقوا إليها الماء سنة 1898، ومن حاصلات القنت الخمر والزبيب واللوز والزيت.
ومرسى القنت في غاية الجمال، وله رصيف طويل، ووراء هذا الرصيف ساحة فسيحة عليها صفان من النخل. وفي القنت ساحة عمومية بديعة. وعلو الحصن المسمى سانتا بربارة نحو من 160 مترا، وله منظر من أبدع ما يتصور العقل، تسرح منه العيون في غياض القنت وسواحلها المريعة إلى حد طرف الناظور من جهة وفي البحر من جهة أخرى. وللقنت ربض يسمى ربض «سان أنطون».
وإلى الشمال الشرقي من القنت على مسافة 17 كيلومترا مصحة يقال لها: «بوزوه»
Busot
ارتفاعها نحو من خمسمائة متر مشرفة من جميع الجهات تحيط بها غابة من الصنوبر، وتكثر حواليها بساتين النخل والبرتقال وكروم العنب.
وقد عرفت مدينة القنت بنفسي في أثناء سياحتي إلى الأندلس، ووجدت في كناشي أنني وصلت إليها في 23 أغسطس الساعة الثانية عشرة زوالية، وبت فيها ليلة لا أتذكر أنني قبلت فيها الغطاء؛ وذلك من شدة الحر، ومع هذا فمذكور في كناشي أنها بلدة لطيفة خفيفة على الروح أخف جدا على الروح من قرطاجنة التي كنت قد زرتها قبل ذلك بيوم. وعند مدخل القنت غابة نخيل في غاية اللطف، وللبلدة مرسى على البحر عليه رصيف لطيف، وراءه ساحة فيها سطران من شجر النخل، وفوق القنت جبل عليه قلاع، وهو مشرف على البحر. وكان سفري إلى دانية في قطار حديدي صغير ذهب بنا شمالا على شاطئ البحر، ولم يمض إلا قليل حتى دخل بنا بين كروم الزيتون والعنب ورأينا جداول تسقي البساتين، ثم مررنا بغيضة نخل ورأينا كثيرا من شجر الخروب، والسهل هناك أفيح تربته تميل إلى البياض، وتشرف عليه جبال عالية، ومن رأى هذا النخل وهذا الخروب وهذا الزيتون لا يظن أنه في أرض أوروبة.