يا راحلا عن سواد المقلتين إلى
سواد قلب عن الأضلاع قد رحلا
بي للفراق جوى لو مر أبرده
بجامد الماء مر البرق لاشتعلا
قال ابن بشكوال: إنه توفي بدانية سنة 466، وإنه كان رجلا زاهدا قاضيا. وترجمه ابن الأبار في التكملة، فقال عنه: غالب بن عبد الله بن أبي اليمن القيسي أبو تمام النحوي، يعرف بالقطيني، وقطين قرية بميورقة، سكن دانية، سمع غريب الحديث لابن قتيبة، وغريب القرآن ومشكله لابن قتيبة أيضا، سمعه من أبي عبد الله حبيب بن أحمد، وكان هذا قد قارب التسعين، وأجاز له ما رواه عن قاسم بن أصبغ، وأبي علي القالي وغيرهما. ثم رحل إلى قرطبة سنة 414، فلقي أبا العلاء صاعدا اللغوي وقد أسن؛ فقرأ عليه، وأخذ عن ثابت بن محمد الجرجاني، وقعد لتدريس العربية، وأخذ عنه أبو بكر الفرضي، وأبو الأصبغ بن شفيع، وأبو الحسن بن أفلح، قال ابن الأبار: إن مولده سنة 393، وإنه توفي في رمضان سنة 465.
وأشهر قراء دانية هو المشهور بأبي عمرو المقرئ، واسمه عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد الأموي، كان يقال له ابن الصيرفي، وهو من قرطبة، من أحد أرباضها، سكن دانية، روى في قرطبة عن أبي المطرف عبد الرحمن القشيري الزاهد، وعن أبي بكر البزاز، وأبي عثمان بن القزاز، وأبي بكر التجيبي، وابن أبي زمنين، وجماعة، وسمع بأستجة من أعمال قرطبة، ورحل إلى بجانة وسرقسطة وسمع بهما وببلاد أخرى من الثغر، وذهب إلى المشرق، وسمع بمكة من ابن فراس العبقسي وغيره، وسمع بمصر من أبي محمد بن النحاس، وأبي القاسم بن منير وغيرهما، وسمع بالقيروان من أبي الحسن القابسي وغيره. وعاد إلى الأندلس وألقى عصا التسيار في دانية؛ ولذلك كان يقال له: أبو عمرو الداني، ولم يكن مثله في علم القرآن وتفسيره وإعرابه وطرقه، وله فيه تصانيف كثيرة مفيدة، وكذلك كانت له معرفة تامة بالحديث وطرقه ورجاله، هذا مع حسن الخط وجودة الضبط والدين والورع، وكان مالكي المذهب، ذكره الحميدي فقال: محدث مكثر ومقرئ متقدم، سمع بالأندلس والمشرق، وله في القراءات أرجوزة مشهورة.
قال ابن بشكوال في الصلة: قال أبو عمرو: سمعت أبي - رحمه الله - غير مرة يقول: إني ولدت سنة 371، وابتدأت بطلب العلم وأنا ابن 14 سنة، وتوجهت إلى المشرق لأداء فريضة الحج سنة 97، وحججت سنة ثمان وتسعين، وانصرفت إلى الأندلس سنة 99، وهي سنة ابتداء الفتنة الكبرى، ووصلت إلى قرطبة في ذي القعدة سنة 99.
قال ابن بشكوال: وقرأت بخط أبي الحسن المقري قال: توفي أبو عمرو المقرئ بدانية يوم الاثنين في النصف من شوال سنة 444، وكان دفنه بعد صلاة العصر في اليوم الذي توفي فيه، ومشى السلطان أمام نعشه، وكان الجمع في جنازته عظيما.
وقد ترجمه المقري في النفح فقال إنه الحافظ المقرئ الإمام الرباني أبو عمرو الداني عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الأموي، مولاهم القرطبي صاحب التصانيف، التي منها «المقنع» و«التيسير»، ثم ذكر رحلته إلى المشرق سنة 397، وأنه مكث بالقيروان أربعة أشهر وفي مصر سنة، وحج ورجع إلى الأندلس، وأنه أخذ عن عبد العزيز بن جعفر الفارسي، وأبي الحسن بن غلبون، وخلف بن خاقان المصري، وأبي الفتح بن أحمد، وأبي مسلم الكاتب، وهو أكبر شيخ له، وذكر أنه سمع من القشيري، وحاتم البزاز والقابسي، وأنه خلف كتبه بالحجاز ومصر والمغرب والأندلس، ونقل عن بعض الشيوخ أنه لم يكن في عصر الحافظ أبي عمرو الداني ولا بعد عصره أحد يدانيه في حفظه وتحقيقه.
وكان يقول: ما رأيت شيئا قط إلا كتبته ولا كتبته إلا حفظته ولا حفظته فنسيته. وقال بعض أهل مكة: إن أبا عمرو الداني إليه المنتهى في علم القراءات، والقراء خاضعون لتصانيفه واثقون بنقله في القراءات والرسم والتجويد والوقف والابتداء وغير ذلك، له مائة وعشرون مصنفا، وروى عنه بالإجازة رجلان أحمد بن محمد بن عبد الله الخولاني، وأبو العباس أحمد بن عبد الملك بن أبي حمزة، وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - بدانية في نصف شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة.