تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من كان ينفق من سواد كتابه

فأنا الذي من نور قلبي أنفق

7

ولما خلع المعتمد على الله وأخرج من إشبيلية لم يزل أبو بكر هذا يتقلب في البلاد إلى أن لحق بجزيرة ميورقة، وبها مبشر العامري المتلقب بالناصر؛ فحظي عنده وعلت حاله معه، وله فيه قصائد أجاد فيها ما شاء، فمنها قصيدة ركب فيها طريقة لم أسمع بها لمتقدم ولا لمتأخر؛ وذلك أنه جعلها من أولها إلى آخرها صدر البيت غزل وعجزه مدح، وهذا لم أسمع به لأحد، وأول القصيدة:

وضحت وقد فضحت ضياء النير

فكأنما التحفت ببشر مبشر

وتبسمت عن جوهر فحسبته

ما قلدته محامدي من جوهر

وتكلمت فكأن طيب حديثها

متعت منه بطيب مسك أذفر

هزت بنغمة لفظها نفسي كما

هزت بذكراه أعالي المنبر

أذنبت فاستغفرتها فجرت على

عاداته في المذنب المستغفر

جادت علي بوصلها فكأنه

جدوى يديه على المقل المقتر

ولثمت فاها فاعتقدت بأنني

من كفه سوغت لثم الخنصر

سمحت بتعنيفي فقلت: صنيعة

سمحت علاه بها فلم تتعذر

نهد كقوة قلبه في معرك

وحشا كلين طباعه في محضر

ومعاطف تحت الذوائب خلتها

تحت الخوافق ما له من سمهري

حسنت أمامي في خمار مثل ما

حسن الكمي أمامه في مغفر

وتوشحت فكأنه في جوشن

قد قام عثيره مقام العنبر

غمزت ببعض قسيه من حاجب

ورنت ببعض سهامه من محجر

أومت بمصقول اللحاظ فخلته

يومي بمصقول الصفيحة مشهر

وضعت حشاياها فويق أرائك

وضع السروج على الجياد الضمر

من رامة أو رومة لا علم لي

أأتت عن النعمان أم عن قيصر

بنت الملوك فقل لكسرى فارس

تعزى وإلا قل لتبع حمير

عاديت فيها غر قومي فاغتدوا

لا أرضهم أرضي ولا هم معشري

وكذلك الدنيا عهدنا أهلها

يتعافرون على الثريد الأعفر

طافت علي بجمرة من خمرة

فرأيت مريخا براحة مشتري

فكأن أنملها سيوف مبشر

وقد اكتست علق النجيع الأحمر

ملك أزرة برده ضمت على

بأس الوصي وعزمة الإسكندر

هذا ما اخترت له منها. ومن نسيبه المليح الخفيف الروح. قوله يتغزل ويمدح مبشرا هذا:

هلا ثناك علي قلب مشفق

فترى فراشا في فراش يحرق

قد صرت كالرمق الذي لا يرتجى

ورجعت كالنفس الذي لا يلحق

وغرقت في دمعي عليك وغمني

طرفي فهل سبب به أتعلق

هل خدعة بتحية مخفية

في جنب موعدك الذي لا يصدق

أنت المنية والمنى فيك استوى

ظل الغمامة والهجير المحرق

لك قد ذابلة الوشيح ولونها

لكن سناؤك أكحل لا أزرق

ويقال: إنك أيكة حتى إذا

غنيت قيل: هو الحمام الأورق

يا من رشقت إلى السلو فردني

سبقت جفونك كل سهم يرشق

لو في يدي سحر وعندي أخذة

لجعلت قلبك بعض حين يعشق

لتذوق ما قد ذقت من ألم الجوى

وترق لي مما تراه وتشفق

جسدي من الأعداء فيك لأنه

لا يستبين لطرف طيف يرمق

لم يدر طيفك موضعي من مضجعي

فعذرته في أنه لا يطرق

جفت عليك منابتي ومنابعي

فالدمع ينشع

8

والصبابة تورق

وكأن أعلام الأمير مبشر

نشرت على قلبي فأصبح يخفق

وفيها يقول يصف لعب الأسطول في يوم المهرجان:

بشرى بيوم المهرجان فإنه

يوم عليه من احتفائك رونق

طارت بنات الماء فيه وريشها

ريش الغراب وغير ذلك سوذق

9

وعلى الخليج كتيبة جرارة

مثل الخليج كلاهما يتدفق

وبنو الحروب على الجواري التي

تجري كما تجري الجياد السبق

ملأ الكماة ظهورها وبطونها

فأتت كما يأتي السحاب المغدق

خاضت غدير الماء سابحة به

فكأنما هي في سراب أينق

عجبا لها ما خلت قبل عيانها

أن يحمل الأسد الضواري زورق

هزت مجاديفا إليك كأنها

أهداب عين للرقيب تحدق

وكأنها أقلام كاتب دولة

في عرض قرطاس تخط وتمشق

وله فيها إحسان كثير. وله من قصيدة يتغزل:

فؤادي معنى بالحسان منعت

وكل موفى في التصابي موقت

ولي نفس يخفي ويخفت رقة

ولكن جسمي منه أخفى وأخفت

وبي ميت الأعضاء حي دلاله

غرامي به حي وصبري ميت

جعلت فؤادي جفن صارم جفنه

فيا حر ما يصلى به حين يصلت

أذل له في هجره وهو ينتمي

وأسكن بالشكوى له وهو يسكت

وما انبت حبل منه إذ كان في يدي

لريحان ريعان الشبيبة منبت

ومن جيد ما له من قصيدة يمدح بها مبشرا ناصر الدولة أولها:

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٠٥