ولا تحيف من أخلاقك الكرما
لح في العلا كوكبا إن لم تلح قمرا
وقم بها ربوة إن لم تقم علما
واصبر فربتما أحمدت عاقبة
من يلزم الصبر يحمد غب ما لزما
والله لو أنصفتك الشهب لانكفأت
ولو وفى لك دمع المزن لانسجما
بكى حديثك حتى الدر حين غدا
يحكيك رهطا وألفاظا ومبتسما
وروضة الحسن من أزهارها عريت
حزنا عليك لأن أشبهتها شيما
بعد النعيم ذوى الريحان حين رأى
ريحانك الغض يذوي بعدما نعما
لم يرحم الدهر فضلا أنت حامله
من ليس يرحم ذاك الفضل لا رحما
شقيقك الصبح إن أضحى بشارقة
وأنت في ظلمة فالصبح قد ظلما
ولما ورد أبو بكر محمد بن اللبانة أغمات متفقدا المعتمد في أسره سر المعتمد بوروده سرور ملك منكوب ذهب ملكه وانتثر سلكه، بصديق قديم كان من خواصه ومن تأنس نفسه به، فأقام عنده ما أقام، فلما أزمع السفر استنفد المعتمد وسعه ووجه إليه بعشرين مثقالا وثوبين، وكتب إليه معها - وقد كان المعتمد سيد الشعراء كما كان سيد الأمراء:
إليك النزر من كف الأسير
فإن تقبل تكن عين الشكور
تقبل ما يذوب له حياء
وإن عذرته حالات الفقير
ولا تعجب لخطب غض منه
أليس الخسف ملتزم البدور
ورج لجبره عقبى نداه
فكم جبرت يداه من كسير!
وكم أعلت علاه من حضيض
وكما حطت ظباه من أمير!
وكم من منبر حنت إليه
أعالي مرتقاه ومن سرير
زمان تزاحفت عن جانبيه
جياد الخيل بالموت المبير
فقد نظرت إليه عيون نحس
مضت منه بمعدوم النظير
نحوس كن في عقبى سعود
كذاك تدور أقدار القدير
وكما أحظى رضاه من حظي
وكم شهرت علاه من شهير!
زمان تنافست في الحظ منه
ملوك قد تجور على الدهور
بحيث يطير بالأبطال ذعر
ويلفى ثم أرجح من ثبير
فامتنع ابن اللبانة عن قبول ذلك ورده إليه بجملته، وكتب مجيبا له:
سقطت من الوفاء على خبير
فذرني والذي لك في ضميري
تركت هواك وهو شقيق ديني
لئن شقت برودي عن غدور
ولا كنت الطليق من الرزايا
إذا أصبحت أجحف بالأسير
أسير ولا أصير إلى اغتنام
معاذ الله من سوء المصير
إذا ما الشكر كان وإن تناهى
على نعمى فما فضل الشكور
جذيمة أنت والأيام خانت
وما أنا من يقصر عن قصير
أنا أدرى بفضلك منك إني
لبست الظل منه في الحرور
غني النفس أنت وإن ألحت
على كفيك حالات الفقير
تصرف في الندى حيل المعالي
فتسمح من قليل بالكثير
أحدث منك عن نبع غريب
تفتح عن جنى زهر نضير
وأعجب منك إنك في ظلام
وترفع للعفاة منار نور
رويدك سوف توسعني سرورا
إذا عاد ارتقاؤك للسرير
وسوف تحلني رتب المعالي
غداة تحل في تلك القصور
تزيد على ابن مروان عطاء
بها وأنيف ثم على جرير
تأهب أن تعود إلى طلوع
فليس الخسف ملتزم البدور
فراجعه المعتمد بهذه الأبيات:
رد بري بغيا علي وبرا
وجفا فاستحق لوما وشكرا
حاط نزري إذ خاف تأكيد ضري
فاستحق الجفاء إذ حاط نزرا
فإذا ما طويت في البعض حمدا
عاد لومي في البعض سرا وجهرا
يا أبا بكر الغريب وفاء
لا عدمناك في المغارب ذخرا
أي نفع يجدي احتياط شفيق
مت ضرا فكيف أرهب ضرا
فأجابه ابن اللبانة:
أيها الماجد السميدع عذرا
صرفي البر إنما كان برا
حاش لله أن أجيح كريما
يتشكى فقرا وكم سد فقرا
لا أزيد الجفاء فيه شقوقا
غدر الدهر بي لأن رمت غدرا
ليت لي قوة أو آوي لركن
فترى للوفاء مني سرا
أنت علمتني السيادة حتى
ناهضت همتي الكواكب قدرا
ربحت صفقة أزيل برودا
عن أديمي بها وألبس فخرا
وكفاني كلامك الرطب نيلا
كيف ألقي درا وأطلب تبرا
لم تمت إنما المكارم ماتت
لا سقى الله الارض بعدك قطرا
قال عبد الواحد المراكشي في المعجب:
وابن اللبانة هذا هو أبو بكر محمد بن عيسى، من أهل مدينة دانية، وهي على ساحل البحر الرومي، كان يملكها مجاهد العامري وابنه علي. ولابن اللبانة هذا أخ اسمه عبد العزيز وكانا شاعرين إلا أن عبد العزيز منهما لم يرض الشعر صناعة ولا اتخذه مكسبا، وإنما كان من جملة التجار. وأما أبو بكر فرضيه بضاعة وتخيره مكسبا وأكثر منه وقصد به الملوك فأخذ جوائزهم، ونال أسنى الرتب عندهم، وشعره نبيل المأخذ، وهو فيه حسن المهيع، جمع بين سهولة الألفاظ ورشاقتها، وجودة المعاني ولطافتها، كان منقطعا إلى المعتمد، معدودا في جملة شعرائه، لم يفد عليه إلا آخر مدته؛ فلهذا قل شعره الذي يمدحه به. وكان - رحمه الله - مع سهولة الشعر عليه وإكثاره منه قليل المعرفة بعلله، لم يجد الخوض في علومه، وإنما كان يعتمد في أكثره على جودة طبعه وقوة قريحته، يدل على ذلك قوله في قصيدة له: