كان المؤيد بستانا بساحتها
يجني النعيم وفي عليائها فلكا
في أمره لملوك الدهر معتبر
فليس يغتر ذو ملك بما ملكا
نبكيه من جبل خرت قواعده
فكل من كان في بطحائه هلكا
ولابن اللبانة في بني عباد من النثر قوله:
بماذا أصفهم وأحليهم؟ وأي منقبة من الجلالة أوليهم؟! فهم القوم الذين تجل مناقبهم عن العد والإحصاء، ولا يتعرض لها بالاستيفاء والاستقصاء، ملوك بهم ازينت الدنيا وتحلت، وترقت حيث شاءت وحلت، إن ذكرت الحروب فعليهم يوقف منها الخبر اليقين، أو عدت المآثر فهم في ذلك في درجة السابقين، أصبح الملك بهم مشرق القسام، والأيام ذات بهجة وابتسام، حتى أناخ بهم الحمام، وعطل من محاسنهم الوراء والأمام، فنقل إلى العدم وجودهم، أو لم يرع بأسهم وجودهم، وكل ملك آدمي فمفقود، وما نؤخره إلا لأجل معدود، فأول ناشئة ملكهم، ومحصل الأمر تحت ملكهم، عظيمهم الأكبر، وسابقة شرفهم الأجل الأشهر، وزينهم الذي يعد في الفضائل بالوسطى والخنصر، محمد بن عباد، ويكنى أبا القاسم، واسم والده إسماعيل.
إلى أن يقول في وصف المعتضد والد محمد الملقب بالمعتمد:
المعتضد أبو عمرو عباد - رحمه الله تعالى - لم تخل أيامه في أعدائه من تقييد قدم ولا عطل سيفه من قبض روح وسفك دم، حتى لقد كانت في باب داره حديقة لا تثمر إلا رءوسا، ولا تنبت إلا رئيسا ومرءوسا، فكان نظره إليه أشهى مقترحاته وفي التلفت إليها استعمل جل بكره وروحاته، فأبكى وأرق، وشتت وفرق، ولقد حكي عنه من أوصاف التجبر ما ينبغي أن تصان عنه الأسماع ولا يتعرض له بتصريح ولا إلماع. ا.ه.
ومن هنا يعلم أن ابن اللبانة لم يكن ممن تعميه العلائق عن الحقائق؛ فإن المعتضد بن عباد كان مشهورا بالقسوة، وكان يروى عنه في ذلك نوادر تشمئز النفوس من مطالعتها؛ مثل أنه كان يجعل رءوس الأعداء الذين ظفر بهم فقطع رءوسهم في معرض خاص يتلذذ بالاختلاف إليه من وقت إلى آخر، ويأخذ كل رأس بيده يقلبه بين أنامله تشفيا وتبريدا لإحنته التي لم تزل في صدره لم يخففها كون ذلك العدو قد ذهب وكانت منيته على يده، بل هو يريد أن يديم تذكار ذلك الظفر بمشاهدة تلك الرءوس المقطوعة بين يديه، ويتلذذ بحصول تلك الجماجم لديه، وهذه هي القسوة الوحشية التي جعلت مثل ابن اللبانة مع اجتماعه بآل عباد في النسب اللخمي، ومع تقلبه في نعم المعتمد التي أنطقته بتلك المدائح السائرة والأوابد التي لا تزول من الذاكرة، يشير إليها مع الاستنكار والاقشعرار.
ولنعد إلى ما قال الشاعر المذكور في آل عباد، فمن ذلك أنه كان للمعتمد ولد رشحه للملك من بعده ولقبه بالمؤيد بنصر الله؛ فعاقته الفتنة عن مراده، وخلع ونفي إلى أغمات في المغرب الأقصى، كما سيأتي الخبر عن ذلك في محله، فجاء محمد بن اللبانة إلى أغمات يفتقد ممدوحه القديم، فرأى ولده فخر الدولة هذا يشتغل في دكان صائغ بعد أن كان يحل من المجد أبراجا ويطلع في هالة الملك هلالا وهاجا، لا تسعه القصور الشامخة، والصروح الممردة، فأذكره ذلك من مجد هذا الشاب السالف ما أنطقه بهذه القصيدة الفريدة:
أذكى القلوب أسى أبكى العيون دما
خطب وجدناك فيه يشبه العدما
أفراد عقد المنا منا قد انتثرت
وعقد عروتنا الوثقى قد انفصما
شكاتنا فيك يا فخر العلا عظمت
والرزء يعظم فيمن قدره عظما
طوقت من نائبات الدهر مخنقة
ضاقت عليك وكم طوقتنا نعما
وعاد كونك في دكان قارعة
من بعد ما كنت في قصر حكى إرما
صرفت في آلة الصواغ أنملة
لم تدر إلا الندى والسيف والقلما
يد عهدتك للتقبيل تبسطها
فتستقل الثريا أن تكون فما
يا صائغا كانت العليا تصاغ له
حليا وكان عليه الحلي منتظما
للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى
هول رأيناك فيه تنفخ الفحما
وددت إذ نظرت عيني إليك به
لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى
ما حطك الدهر لما حط من شرف