تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى أن أقول: «فيا ليتنا نتبع الآن سنن من قبلنا، ونقتدي بسلفنا، ونبني بناء أوائلنا، ونعتبر بحمراء غرناطتنا، وخضراء دمننا، ونتأمل في سالف عزها، وسابق أمرها، ونتجنب الفرقة التي آلت إلى فقدها، ونسأل رسومها عما مضى من نعيمها فهي رسوم إن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا؛ فلا يكونن دائما من شأننا أن نتباهى بمجد الأوائل ونفاخر بعظم الرميم، دون أن نقتص أثر الآباء ونحيي ذكر القديم، ولا يبقى من نصيبنا في المجد إلا حديث سمر، ومجرد ذكر. وما أحسن ما قال شوقي شاعر العصر:

وذات دلال من بني الروم حولها

إذا ما تبدت إخوة سبعة مرد

عنيت بها حتى التقينا فهزها

فتى عربي ملء بردته مجد

فقالت: أطيب بعد عسر وشدة؟

فقلت نعم مسك الأحاديث والند

عطلنا من النعمى وطوق غيرنا

تداولت الأيام وانتقل العقد

وما ضاعت الدنيا علينا وحسنها

ولكن عن أغصانه رحل الورد

هذا، وكان الفراغ من كتابة هذا التاريخ، ليلة السبت الواقع في السادس والعشرين من المحرم سنة خمس عشرة وثلاثمائة بعد الألف » ا.ه.

فأنت ترى أن الكتاب الأول قد مضى عليه أربعون سنة، وهي مدة تسمى عمرا، ولقد سمعت من كثير من أعيان الأمة العربية أنهم قرءوا كتابي ذاك في وقته وتتبعوا حوادث سقوط مملكة غرناطة وجلاء المسلمين الأخير عن الأندلس باهتمام عظيم، ودمع سجيم. وقال لي بعضهم إنهم قرءوه مرتين، وإن منهم من كان يبكي، ومنهم من كان يتلهب وجدا، ومنهم من كانت مهجته تذوب حسرة عند قراءته. وقد تضاعفت الآن هذه الذكرى، وبعد مضي هذه السنين الأربعين ازداد الولوع بتاريخ الأندلس، بازدياد الناشئة المقبلة على العلم، وبنمو الشعور العربي في جميع طبقات هذا الشعب، سواء منهم من في الشرق ومن في الغرب، ولا يزال هذا الشعور في نمو وما برحت هذه الهمم في سمو؛ ولا عجب فإن قوة الأمة هي على قدر ما مجت من مشارب العلم، وارتقت من درجات الثقافة الجم، والأمة العربية في هذه المدة قد اجتازت عقبات جيادا، وقطعت أشواطا طوالا، وسارت السير النجاء، وشمرت التشمير الباعث على الرجاء؛ فأخذت تخفي سؤال التاريخ عن ماضي أحوالها؛ كما صرفت معظم بالها، في توطيد استقبالها.

ولهذا رأيت أنه من أمثل ما يمكنني أن أخدم به هذه الأمة، قبل انصرافي من هذه الدنيا، هو أن أهدي ناشئتها عن هذه القطعة النفيسة من تاريخها، كتابا شافيا للغليل، جامعا لأقطار هذا البحث، ناظما بين القديم والحادث، مقابلا بين ما قاله العرب وما قاله الأفرنج.

وكنت قدمت بين يدي هذا التأليف رحلة قمت بها من ستة سنوات في أكثر أنحاء أسبانية، لأقرن الرواية بالرؤية، وأجعل القدم ردءا للقلم، ونويت أن أجعل الرحلة أساس الكلام، وواسطة النظام، وأن أضم التاريخ إليها، وأفرع التخطيط عليها.

ومن أجل ذلك كنت نويت أن أسمي هذا الكتاب «بالحلة السندسية في الرحلة الأندلسية» وأشرت إلى هذا الاسم في كتابي المنشور من سنتين، الموسوم «بغزوات العرب في جنوبي فرنسا وشمالي إيطالية وفي سويسرة وجزائر البحر المتوسط» الذي عددته جزءا من كتابي الأندلسي. إلا أني رأيت فيما بعد أن ما نحن بسبيله قد اتسع جدا عن الرحلة، وأن الاسم قد ابتعد عن المسمى، وأن الكتاب قد يقع في عدة مجلدات كبار، وقد يكون أوسع كتاب عربي كتب عن الأندلس؛ هذا إذا فسح الله في الأجل، ووفق للعمل، فعدلت إلى اسم آخر يشعر ما أنا متوخيه من الإحاطة بقدر الطاقة، وهو «الحلل السندسية في الأخبار والاثار الأندلسية» وآليت لأبلغن فيه جهيداي، وأعقل به ما شرد عن سواي. ولم أقصد في ذلك تنبلا على الخلق، ولا تزيدا فيما ليس بحق، وإنما أردت النصح ما استطعت، والتمحيص ما قدرت. والعلم أمانة، من حملها فقد حمل إدا وتجشم بهرا. والتاريخ من عالجه فقد رقى حزنا، وركب خشنا. فإن كنت قرطست أو قاربت، فقد بلغت من عملي المراد أو بعض المراد؛ وإن كان سهمي قد طاش، فكم فتى حام وما ورد، وغنى وما أطرب، ولكن شفع له الاجتهاد.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤