تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد سهرت في هذا التأليف ليالي متمطيات بأصلابها، تحقيقا عن لفظ، أو تنقيبا عن اسم، أو ضبطا لرواية مختلف فيها، أو لعدد أقل فيه الواحد وأكثر الآخر، أو تعيينا ليوم واقعة من أي شهر أو من أي سنة، أو مقابلة بين ما قاله عربي وما قاله أوربي عن الحادثة الواحدة، أو تعريبا لعلم أسبانيولي على الوجه الذي كان يقوله العرب، أو تبيينا لعلم عربي كيف كان يتلفظ به الأسبانيول، وما أشبه ذلك مما أذبت له سواد العيون، وأحييت كثيرا من الليالي الجون. ولا أزعم مع ذلك أني بلغت به الأمد الذي ينجيه من تعنت الحساد، أو يعليه عن تصفح النقاد، ولكني بلغت فيه الجهد، وأبليت العذر، ولم أبق في القوس منزع ظفر.

ومما لا بد لي من الإشارة إليه في هذه المقدمة أني اخترت النقل عن المؤلفين ما استطعت، لتكون هذه الموسوعة في هذا الموضوع معرضا للآراء، ومجمعا للأفكار التي يطلع منها القارئ على الصور المختلفة التي كانت عن مملكة العرب في الأندلس، في أذهان الذين عاشوا في ذلك العصر وكتبوا عنه، أو في أذهان من كانوا على مقربة منه. ولم أشأ أن أصنع ما يصنعه الكثيرون من أخذ الشيء عن الآخرين وإبرازه للناس كأنه من ورى زنادهم، وفيض قرائحهم؛ فليس هذا مذهبي في الكتابة، ولا أراه الطريقة المثلى في التأليف؛ وإنما ينقل الإنسان ما يستطيع الاتصال به من آراء الناس ورواياتهم، ثم يشفعها برأيه الخاص، وبالرواية التي يكون قد جزم هو بها، أو رجحها على غيرها بحسب اجتهاده؛ وله أن يستدل على صحة رأيه أو ثبوت روايته بما وجد من قرائن، وآنس من شواهد، وللقارئ بعد ذلك أن يذهب في الترجيح والتجريح كيفما شاء بحسب ما يؤديه إليه نظره.

ولهذا نقلت ما قدرت أن أعثر عليه من الفصول المتعلقة بالأندلس، عن المسعودي، وابن حوقل، والمقدسي، والشريف الإدريسي، وابن الأثير، وياقوت الحموي، وابن عذارى، وابن بشكوال، وابن عميرة، وابن الأبار، وابن خلدون، ولسان الدين بن الخطيب، وصاعد الطليطلي، والهمذاني، والقلقشندي، والمقري صاحب نفح الطيب، وغيرهم من مؤلفي العرب؛ ونقلت أيضا عن دوزي المستشرق الهولندي، وعن رينو المستشرق الأفرنسي، وعن أيزيدور الباجي، وغيره من مؤلفي القرون الوسطى، وعن أصحاب الأنسيكلوبيدية الإسلامية، وعن لاوي بروفنسال من المعاصرين، وعن المسيو جوسه

P. Gousset

صاحب جغرافية أسبانية والبرتغال، وعن بديكر، وعن بعض علماء الأسبانيول مثل سيمونه

Simonet

وكوندي

Gonde

وعن ألبار دوسيركور صاحب تاريخ المدجنين والموريسك

Albert de Cricourt ، وعن دومارليس

de marles

وعن كتب أخرى أسبانيولية استعنت على ترجمتها ببعض أصحابي من الأسبان، ومن غيرهم. وعزوت الروايات إلى أصحابها، ونقلت كثيرا من الفصول بنصوصها، أو تلخيصها مع التعليق عليها في الحواشي بما يعن لي مخالفا أو موافقا.

وهناك اصطلاح آخر، جرى عليه بعض مؤلفي الأفرنجية، وتابعهم فيه الشرقيون وهو إرسال الكلام من عندهم في الموضوع، ثم الاستشهاد بأقوال الآخرين بإدماج بعض الجمل المأخوذة عنهم، وذلك في صلب الكلام مع الإشارة في الحاشية إلى مأخذ تلك الجمل؛ ولست أرى في ذلك بأسا، وإنما ألاحظ هنا أن المؤلف قد يكون له رأي خاص في مسألة من المسائل، فيهمه تأييد رأيه، فينقب في الكتب على كل ما يعزز وجهة نظره، وكلما وقع على جملة لمؤلف رأى فيها تقوية لنظريته نقلها دون سواها، وأدمجها في كلامه، فربما جاءت بترا، لا يعرف ما تقدمها ولا ما تأخر عنها، وربما جاء نقل تلك الجملة من قبيل «ولا تقربوا الصلاة» وحذف «وأنتم سكارى» فمن المعلوم أن الحكم لا يصح باعتبار جملة واحدة لمؤلف، وإنما يصح باعتبار مجموع كلامه بعد تصفحه بحذافيره. وهذا الذي حداني إلى نقل فصول بأصبارها، أخذ العذق بشماريخه، ولو كان في خلالها ما ليس عندي بثبت، وما اضطررت أحيانا إلى رده.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٥