تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم

حلل الحرير عليكم ألوانا

ما كان أقبحهم وأحسنكم بها

لو لم يكن ببطرنة ما كانا

وهكذا لم يزل المخشوشن يفتك بالمتنعم، حتى دوخه؛ والمحروم يوقع بالمترف، إلى أن ريخه؛ والشقاق مع ذلك بين المسلمين لا تنطفئ ناره، ولا تنقطع أخباره، والإصلاح بينهم تخفق مساعيه، والشر أبدا تجادع أفاعيه؛ لا ينجع في عقولهم بليغ نصح، ولا يعوج بأسماعهم نذير خطب؛ ولا يعولون على شاهد نقل، ولا دليل عقل، ولا يعتبرون بحلول بثق واقع على بثق. تنزل بهم كل هذه القوارع وهم في سكرتهم يعمهون، ويقرأ عليهم الدهر كل يوم سورة الغاشية فلا يتدبرون، ولا يسمعون، و

يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون

وأخيرا تناثروا بددا، وتطايروا قددا، فلكل بلدة دولة وأمير، ومنبر وسرير؛ وكل جار لجاره مناظر لا نظير، يجور عليه ولا يجير، ولا يغار عليه بل يغير!

وتفرقوا شيعا فكل مدينة

فيها أمير المؤمنين ومنبر

وهم في أثناء هذا يتسابقون في ميدان الاستعانة، بعضهم على بعض، بالطاغية الذي يساومهم على المناصرة بتسليم الحصون، وتعطيل الثغور؛ والانهزام بلا سيف، والرضى بكل حيف، ويواطئون على حوزة الإسلام علنا

يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا

والعدو كل يوم يتقدم، وحوض الإسلام كل يوم يتهدم؛ والخلاصة: مازال يطغى وهم يحسرون، ويمد وهم يجزرون، ويطول وهم يقصرون إلى أن عادوا إلى علم ناكس، وصوت خافت، وباتوا - كما يقال - طوع كل شامت؛ وتوقع كل عاقل الفاقرة الكبرى، وأن من هو باق بسيف البحر ليس بثابت؛ وما كانت إلا شفافة في إناء الأندلس أراد العدو أن يستصفي سؤرها، وبقية فيما وراء البحر صمم أن يقتلع جذورها، وجاءهم ذلك حينما لم يبق مرابطون ولا موحدون، ولا أبطال يجاهدون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، بل حينما كل ملك بالعدوة مشغول بسد فتوقه، وحفظ حقوقه؛ سعيد بأن يثبت في مكانه، راض بأن يخلص من عادية جيرانه، بل من غائلة إخوانه. فكيف يستطيع أن يركب البحر لينازل الطواغيت، ويجمع من الإسلام ذلك الشمل الشتيت؟ فأراد الله أن يتركهم وشأنهم، وهو تعالى المحيي المميت. واستأسد بذلك العدو، فلم يزل يواثبهم ويكافحهم، ويغاديهم القتال ويراوحهم، حتى أجهضهم عن أماكنهم، وجفلهم عن مساكنهم، وأركبهم طبقا عن طبق، واستأصلهم بالقتل والأسر كيفما اتفق؛ وردوا في الحافرة، وصاروا رهن هوى الأمة الظافرة. ومن اختار منهم الدجن انتقلوا تدريجيا إلى دين الطاغية ولسانه، فخسروا الدنيا والآخرة، وصاروا عبرة في العالمين

وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين .

نعم؛ حواضر كالبحار الزاخرة، كانت تموج بالبشر؛ وحصون كالجبال الشامخة، تحصى بالألوف، وتكبو فيها جياد الفكر، وجيوش كانت حصى الدهناء، ورمال البطحاء، ومساجد كانت في الجمع المشهورة تغص بألوف الألوف من المصلين، ومدارس كانت مكتظة بالألوف من القراء والطالبين، وما شئت من إسلام وإيمان، وحديث وفرقان، وأذان يملأ الآذان، وما أردت من نحو ولغة وطب، وحكمة ومعان وبيان، بلغة عربية عربآء، يحرسها علماء كنجوم السماء؛

1

وما أردت من عيش خضل وزمن نضر، وحزرات أنفس، وضحكات قلوب. كل هذا عاد كهشيم المحتظر، كأن لم يغن بالأمس، ولم يبق منه إلا آثار صوامت، وأخبار تناقلتها الكتب، كأنه لم يعمر الأندلس من هذه الأمة عامر، ولا سمر فيها سامر. قال تعالى:

وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم .

وبقيت الأمة العربية تنوح على هذا الفردوس المفقود الذي هبط منه أهله بأعمالهم، نحوا من أربعمائة عام، نواح الثاكل لولده لا يريد أن ينسى مصابه، ولا يفتأ يذكر فصاله؛ ولما كنت من جملة هذه الأمة الباكية على الفردوس الضائع، أولعت من أوائل صباي بقراءة تاريخ الأندلس، والتنقيب عن كل ما يتعلق بالعرب في تلك الجزيرة، حتى إنني لما اطلعت على رواية «آخر بني سراج» للكاتب الأفرنسي الكبير «رينه شاتو بريان» بادرت بنقلها إلى العربية وذيلتها بتاريخ للأندلس نشرته من أربعين سنة؛ ثم نفدت نسخه بأجمعها، فأعدت طبعه منذ إحدى عشرة سنة، وقد قلت في خاتمة كتابي ذلك ما يناسب أن أعيده هنا، رعيا لكون الغرض الذي حداني يومئذ إلى نشر ذلك الملخص، هو نفس الغرض الذي يحدوني اليوم إلى نشر هذا المطول؛ فالروح التي أملت ذلك هي التي قد أملت هذا، وكلامي الأول هو كلامي الآخر، ولو كرت الأيام وتعددت الأعوام، قلت: «ولا أكتم القارئ الذي هو خليق بأن لا يخفى عليه ذلك بشفوف بصره ولطف حسه، أن الأمر غير خال في هذا الإملاء، من نزعة جنسية، وحنوة عصبية، وهفوة للفؤاد وراء آثار بني الجلدة، مما تستشعر فيه مرضاة هذه النفس، العظيمة السر، البعيدة مهوى الغرض، الغريبة شكل الهم، وتوفر به اللذة والراحة لهذا الوجدان الداخلي، السائح في إثر ما يتعلق بالنفس من جميع جهاتها، على ترجيح الأقرب فالأقرب؛ وقد طبع الخالق الحكيم هذا المرء على حب جنسه، والميل للاتصال بأبناء أبيه، فكأنما يتمثل بذلك صورة نفسه التي هي جزء من هذا المجموع، لما يحس من أن أقرب أنواع الدم إلى دمه، هو الجاري في عروق قومه؛ فهو يحن إليهم ويحنو عليهم، ويتألم لألمهم، ويعتز بعزهم؛ وتراه إذا غابت أشخاصهم استأنس بآثارهم بعد الأعيان، وارتاح إلى مواطنهم ورغب في الدوس على مواطئ أقدامهم ولو بعد أزمان وقد عهدنا الذي يصاب بعزيز أو بذي قرابة يختلف إلى قبره، ويشفي بالبكاء عنده حرارة صدره؛ وإذا ظفر بقطعة من ملبوسه، أو مفروشه أو برقعة من خطه، احتفظ بها، وغالى في قيمتها، وجعلها مدار أنسه، في خلوات نفسه، وروح حياته في منتبذ مناجاته. وبناء على هذا الشعور أولع الخلق بحفظ آثار الغابرين، وتطلعوا بغريزة فيهم إلى معرفة سير السالفين، ووقفوا على الأطلال الدوارس، وبكوا على الدمن البوالي، كأنما يجددون عندها عهودهم مع آبائهم، ويشدون لديها معهم عروة وفائهم».

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣