تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد حدث بالمرية، وهناك أبو الحسن بن موهب، وأبو محمد الرشاطي، وغيرهما، وسمع منه أبو الحسن بن هذيل جامع الترمذي، وألف كتابه «شجرة الوهم المرقية إلى ذروة الفهم»، ولم يسبق إلى مثله، وليس له غيره، وجمع فهرسة حافلة، ووصفه غير واحد بالتفنن في العلوم والمعارف، والرسوخ في الفقه وأصوله، والمشاركة في علم الحديث والأدب، وقال ابن عياد في حقه: إنه كان صليبا في الأحكام، مقتفيا للعدل، حسن الخلق والخلق، جميل المعاملة، لين الجانب، فكه المجالسة، ثبتا حسن الحظ، من أهل الإتقان والخط والضبط، وحكي أنه كانت عنده أصول حسان بخط عمه مع الصحيحين بخط السلفي في سفرين، قال: ولم يكن عند شيوخنا مثل كتبه في صحتها وإتقانها وجودتها، ولا كان فيهم من رزق عند الخاصة والعامة من الحظوة والذكر وجلالة القدر ما رزقه. وذكره ابن سفيان أيضا، وأبو عمر بن عات، ورفعوا جميعا بذكره، وتوفي بشاطبة مصروفا عن قضائها آخر الحجة سنة خمس، ودفن أول يوم من سنة ست وستين وخمسمائة، ودفن بالروضة المنسوبة إلى عمر بن عبد البر، ومولده في رمضان سنة 496.

والشيخ الفاضل المتقن أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف بن محمد بن يوسف الأنصاري الشاطبي الأصل، البلنسي المولد في أحد ربيعي سنة أحد وستمائة، ولقبه المشارقة برضي الدين، وتوفي بالقاهرة سنة 684 - رحمه الله تعالى - وقد تقدمت ترجمته.

ونزيد ها هنا أنه حدث عن أبي المنير وغيره، واشتغل الناس عليه بالقاهرة، وله تصانيف مفيدة، وسمع من الحافظ أبي الربيع بن سالم، وكتب على صحاح الجوهري وغيره حواشي في مجلدات، وأثنى عليه تلميذه أبو حيان، رحم الله تعالى الجميع. ومن فوائده قوله: نقلت من خط أبي الوليد بن خيرة الحافظ القرطبي في فهرسة أبي بكر بن مفوز: قد أدركته بسني ولم آخذ عنه، واجتمعت به، أنشدني له أبو القاسم بن الأبرش يخاطب بعض أكابر أصحاب محمد بن حزم والإشارة لابن حزم الظاهري:

يا من تعنى أمورا لن يعانيها

خل التعاني وأعط القوس باريها

تروي الأحاديث عن كل مسامحة

وإنما لمعانيها معانيها

قال: وأنشدنا لبعضهم:

لا رعى الله عزمة ضمنت لي

سلوة الصبر والتصبر عنه

ما وفت غير ساعة ثم عادت

مثل قلبي تقول: لا بد منه

وقرأ الرضي ببلده على ابن صاحب الصلاة آخر أصحاب ابن هذيل، وسمع منه كتاب التلخيص للواني، وسمع بمصر من ابن المنير وجماعة، وروى عنه الحافظ المزني واليونيني والظاهري وآخرون، وانتهت إليه معرفة اللغة وغريبها. وكان يقول: أحرف اللغة على قمسين: قسم أعرف معناه وشواهده، وقسم أعرف كيف أنطق به فقط - رحمه الله تعالى. ومن فوائد الرضي الشاطبي المذكور ما ذكره أبو حيان في البحر قال: وهو من غريب ما أنشدنا الإمام اللغوي رضي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي لزينب بنت إسحاق النصراني الرسعيني، وقد سبق ذكر هذه الأبيات:

عدي وتيم لا أحاول ذكرهم

بسوء ولكني محب لهاشم

وما يعتريني في علي ورهطه

إذا ذكروا في الله لومة لائم

يقولون: ما بال النصارى تحبهم

وأهل النهى من أعرب وأعاجم

فقلت لهم: إني لأحسب حبهم

سرى في قلوب الخلق حتى البهائم

ومن نظم الرضي المذكور:

منغص العيش لا يأوي إلى دعة

من كان في بلد أو كان ذا ولد

والساكن النفس من لم ترض همته

سكنى بلاد ولا سكنى إلى أحد

وله:

لولا بناتي وسيئاتي

لطرت شوقا إلى الممات

لأنني في جوار قوم

بغضني قربهم حياتي

وتحاكم إلى رضي الدين المذكور الجزار والسراج الوراق أيهما أشعر، وأرسل إليه الجزار شيئا فقال: هذا شعر جزل من نمط شعر العرب، فبلغ ذلك الوراق، فأرسل إليه شيئا، فقال: هذا شعر سلس، وآخر الأمر قال: ما أحكم بينكما - رحمه الله تعالى.

وأم العز بنت أحمد بن علي بن هذيل أخذت قراءة نافع عن أم معفر - حرم الأمير محمد بن سعد - وبرعت في حفظ الأشعار، وتوفيت بشاطبة إثر خروجها من حصار بلنسية سنة 636.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣٩٥