وهو أحد الأئمة المشهورين بغزارة الفضل وكثرة العلم والجلالة والنبل، وأحد مشايخ الصوفية، له في ذلك إشارات لطيفة مع الدين والعفاف والبشر والوقار والمعرفة الجيدة بمعاني الشعر، وكان صالح الفكرة في حل التراجم مع ما جبل عليه من كرم الأخلاق، واطراح التكليف، ورقة الطبع، ولين الجانب. ومن شعره قوله:
نصبت ومثلي للمكارم ينصب
ورمت شروق الشمس وهي تغرب
وحاولت إحياء النفوس بأسرها
وقد غرغرت يا بعد ما أنا أطلب
وأتعب إن لم تمنح الخلق راحة
وغيري إن لم تتعب الخلق يتعب
مرادي شيء والمقادير غيره
ومن عاند الأقدار لا شك يغلب
وقوله:
إلى كم أمني النفس ما لا تناله
فيذهب عمري والأماني لا تقضى
وقد مر لي خمس وعشرون حجة
ولم أرض فيها عيشتي فمتى أرضى؟
وأعلم أني والثلاثون مدتي
حر بمغاني اللهو أوسعها رفضا
فماذا عسى في هذه الخمس أرتجي
ووجدي إلى أوب من العشر قد أفضى
فيا رب عجل لي حياة لذيذة
وإلا فبادر بي إلى العمل الأرضى
وقال - رحمه الله تعالى:
وصاحب كالزلال يمحو
صفاؤه الشك باليقين
لم يحص إلا الجميل مني
كأنه كاتب اليمين
وهذا عكس قول المنازي:
وصاحب خلته خليلا
وما جرى غدره ببالي
لم يحص إلا القبيح مني
كأنه كاتب الشمال
ترجمه المقري في النفح.
وأبو الوليد بن الجنان محمد بن الشرف أبي عمرو بن الكاتب أبي بكر بن العالم الجليل أبي الملاء بن الجنان الكناني الشاطبي. قال ابن سعيد: توارثوا بشاطبة مراتب تحسدها النجوم الثاقبة، وأبو الوليد أشعرهم، وقد تجدد به في أقطار المشرق مفخرهم، وهو معروف هناك بفخر الدين، ومتصدر في أئمة النحويين، ومرتب في شعراء الملك الناصر صاحب الشام، ومقطعاته الغرامية قلائد أهل الغرام، صحبته بمصر ودمشق وحلب، وجريت معه طلق الجموح في ميادين الأدب، وأنشدني بدمشق:
أنا من سكر هواهم ثمل
لا أبالي هجروا أم وصلوا
فبشعري وحديثي فيهم
زمزم الحادي وسار المثل
إن عشاق الحمى تعرفني
والحمى يعرفني والطلل
رحلوا عن ربع عيني فلذا
أدمعي عن مقلتي ترتحل
ما لها قد فارقت أوطانها
وهي ليست لحماهم تصل
لا تظنوا أنني أسلو فما
مذهبي عن حبكم ينتقل
وقوله - رحمه الله تعالى:
بالله يا بانة الوادي إذا خطرت
تلك المعاطف حيث الشيح والغار
فعانقيها عن الصب الكئيب فما
على معانقة الأغصان إنكار
وعرفيها بأني فيك مكتئب
فبعض هذي لها بالحب أخبار
وأنتم جيرة الجرعاء من إضم
لي في حماكم أحاديث وأسمار
وأنتم أنتم في كل آونة
وإنما حبكم في الكون أطوار
ويا نسيما سرى تحدو ركائبه
لي بالغوير لبانات وأوطار
وله:
يا - رعى الله - إننا بين روض
حيث ماء السرور فيه يجول
تحسب الزهر عنده يتثنى
وتخال الغصون فيه تميل
وله:
هات المدام فقد ناح الحمام على
فقد الظلام وجيش الصبح في غلب
وأعين الزهر من طول البكا رمدت
فكحلتها يمين الشمس بالذهب
والكأس حلتها حمراء مذهبة
لكن أزرتها من لؤلؤ الحبب
كم قلت للأفق لما أن بدا صلفا
بشمسه عندما لاحت من الحجب
إن تهت بالشمس يا أفق السماء فلي
شمسان وجه نديمي وابنة العنب
قم اسقنيها وثغر الصبح مبتسم
والليل تبكيه عين البدر بالشهب
والسحب قد لبست سود الثياب وقد
قامت لترثيه الأطيار في القضب
وله:
عليك من ذاك الحمى يا رسول
بشرى علامات الرضا والقبول
جئت وفي عطفيك منهم شذا
يسكر من خمر هواه العذول
ومنها:
أحبابنا ودعتم ناظري
وأنتم بين ضلوعي نزول
حللتم قلبي وهو الذي
يقول في دين الهوى بالحلول
أنا الذي حدث عني الهوى
بأنني عن حبكم لا أحول
فليزد العاذل في عذله
وليقل الواشي لكم ما يقول
انتهى كلام النور بن سعيد. وقال غيره: ولد المذكور بشاطبة منتصف شوال سنة 615، ومات بدمشق، ودفن بسفح قاسيون، وكان عالما فاضلا، دمث الأخلاق، كريم الشمائل، كثير الاحتمال، واسع الصدر، صحب الشيخ كمال الدين بن العديم، وولده قاضي القضاة مجد الدين، فاجتذبوه إليهم وصار حنفي المذهب، ودرس بالمدرسة الإقبالية الحنفية بدمشق، وله مشاركة في علوم كثيرة.