تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ذكر أبو الفداء ثلاثة متنزهات في شاطبة: «البطحة» و«الغدير» و«العين الكبيرة». ولما كانت شاطبة على مقربة من بلنسية كان لا بد لها من أن تشاطر حظ بلنسية في مصيرها السياسي، وكانت هي المدينة الثانية في الخطة البلنسية، وكان أهلها في زمان العرب أكثر جدا مما هم اليوم، وبقيت طول مدة الخلافة الأموية ليس لها كبير ذكر إلى أن انحلت الخلافة وتولاها حفيد الحاجب الشهير المنصور بن أبي عامر، وهو عبد العزيز بعد الصقلبيين المبارك والمظفر.

ولما استولى القادر بن ذي النون على شاطبة بمعاونة ملك قشتالة أراد أن يستولي على شاطبة فساق إليها جيشا، فرجع عنها بخفي حنين، وجاء المنذر بن المقتدر بن هود - ملك لاردة ودانية وطرطوشة - فحمى شاطبة مدة من الزمن، ثم وقعت في يد ابن تاشفين - سلطان المرابطين - بعد وقعة الزلاقة. ثم استولى على شاطبة جاك الأول - ملك أراغون - سنة 1239 المسيحية، فأخرج المسلمين منها جميعا سنة 1247. ا.ه.

وقال الشريف الإدريسي في نزهة المشتاق: ومدينة شاطبة مدينة حسنة، ولها قصاب يضرب بها المثل في الحسن والمنعة، ويعمل بها من الكاغد ما لا يوجد له نظير بمغمور الأرض ويعم المشارق والمغارب. ا.ه.

ثم إن صاحب نفح الطيب ذكر شاطبة فقال: فمن أعمال بلنسية شاطبة التي يضرب بحسنها المثل، ويعمل بها الورق الذي لا نظير له، ثم قال في محل آخر:

نعم ملقى الرحل شاطبة

لفتى طالت به الرحل

بلدة أوقاتها سحر

وصبا في ذيله بلل

ونسيم عرفه أرج

ورياض غصنها ثمل

ووجوه كلها غرر

وكلام كله مثل

وقال ياقوت في المعجم: شاطبة - بالطاء المهملة والباء الموحدة - مدينة في شرقي الأندلس وشرقي قرطبة، وهي مدينة كبيرة قديمة قد خرج منها خلق من الفضلاء، ويعمل الكاغد الجيد فيها ويحمل منها إلى سائر بلاد الأندلس. يجوز أن يقال: إن اشتقاقها من الشطبة وهي السعفة الخضراء الرطبة، وشطبت المرأة الجريدة شطبا: إذا شققتها لتعمل حصيرا، والمرأة شاطبة، قال الأزهري : شطب: إذا عدل، ورمية شاطبة: عادلة عن القتل. وممن ينسب إلى شاطبة عبد العزيز بن عبد الله بن ثعلبة أبو محمد السعدي الأندلسي الشاطبي، قال ابن عساكر: قدم دمشق طالب علم، وسمع بها أبا الحسن بن أبي الحديد، وعبد العزيز الكتاني، ورحل إلى العراق، وسمع بها أبا محمد الصريفيني، وأبا منصور بن عبد العزيز العكبري، وأبا جعفر بن مسلمة، وصنف غريب حديث أبي عبد الله القاسم بن سلام على حروف المعجم، وجعله أبوابا، وتوفي في شهر رمضان سنة 465 في حوران.

ومنها أيضا أحمد بن محمد بن خلف بن محرز بن محمد أبو العباس المالكي الأندلسي الشاطبي المقرئ، قدم دمشق وقرأ بها القرآن المجيد بعدة روايات، وكان قرأ على أبي عبد الله الحسين بن موسى بن هبة الله المقرئ الدينوري، وأبي الحسن علي بن مكوس الصقلي، وأبي الحسن يحيى بن علي بن الفرج الخشاب المصري، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد المالكي المحاربي المقري، وصنف كتاب المقنع في القراءات السبع، قال الحافظ أبو القاسم: وأجاز في مصنفاته وكتب سماعاته سنة 504، وكان مولده في رجب سنة 454 بالأندلس، وقال أبو بحر صفوان بن إدريس المرسي في وصف شاطبة:

شاطبة الشرق شر دار

ليس لسكانها فلاح

الكسب من شأنهم ولكن

أكثر مكسوبهم سلاح (بضم السين). ا.ه.

قلنا: ليس اشتقاق شاطبة من الشطبة ولا من الشطب؛ فإن هذا عربي واسم شاطبة في أصله ليس بعربي؛ إذ كان الرومانيون يقولون لهذه البلدة «سيتابي»، فلما جاء العرب، وكان يغلب عليهم تحويل السين إلى الشين، حرفوها إلى شاطبة تبعا للأوزان العربية.

وقال القلقشندي في صبح الأعشى: مدينة شاطبة - بفتح الشين المعجمة وألف بعدها طاء مهملة مكسورة ثم باء موحدة مفتوحة وهاء في الآخر - هي مدينة عظيمة لها معقل في غاية الامتناع وعدة مستنزهات منها البطحاء والغدير والعين الكبيرة، وإليها ينسب الشاطبي صاحب القصيدة في القراءات السبع، وقد صارت الآن مضافة إلى ملك برشلونة في يد صاحبها. ا.ه. وكان صاحب صبح الأعشى من أهل أواخر القرن الثامن للهجرة؛ أي إنه لما كتب صبح الأعشى كان قد مضى على سقوط شاطبة في أيدي أصحاب أراغون وبرشلونة نحو من مائة وثمانين سنة.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣٧٨