ثم مررنا بقرية «الكدية»، وهي على 63 كيلومترا من بلنسية، ولا يخفى أن اسم الكدية عربي، ومعنى الكدية: الأرض الغليظة، وتأتي أيضا بمعنى الصفاة العظيمة الشديدة. ثم نحو الساعة الثانية عشرة وقفنا عند محطة بلدة اسمها «موجنتا»، وقد ورد في دليل بديكر أنها مدينة قديمة بناها العرب، وفيها حصن باقية آثاره، وهي على 82 كيلومترا من بلنسية، وأرضها في غاية الخصب، وقد كثر الزيتون هنا بدلا عن الخروب.
ثم وقفنا بمحطة في الوعر اسمها «باريلا
Parilla »، ثم صعدنا في الجبل وما برحنا في التصعيد حتى وصلنا إلى نفق طويل 1500 متر، ومن قبله مررنا بنفق قصير، والجبل هناك يقال له جبل مارياكا، فاصل بين «شارة إنقيرة
Sierra de Ingeurra » في الشمال الغربي، وشارة «غروزه
Grosa » في الجنوب الشرقي، وعلى مسافة مائة كيلومتر وصلنا إلى مدينة البونت، وسكانها اليوم أربعة آلاف نسمة، وهي في مكان عال، والفرق بين البونت، وبلنسية هو فرق الصرود عن الجروم، وهناك الأشجار نادرة؛ فالأرض مغطاة بكروم العنب.
ونحو الساعة الثانية عشرة وثلاثة أرباع الساعة وصلنا إلى محطة «إنسينا
Encina »، وهي ملتقى الخطين: الخط الحديدي الآتي من بلنسية إلى مجريط، والخط الآخر الآتي من القنت إلى مجريط. ثم في الساعة الواحدة وربع الساعة وصلنا إلى بلدة يقال لها: «المنصا
Almansa »، وهي بلدة عربية يسير إليها طريق الحديد في جبال عالية، وأما نفس البلدة؛ فهي واقعة على بسيط من الأرض، والجبال تحيط بذلك البسيط، ولها صخرة مرتفعة مشرفة، فوقها حصن قديم، وفيها حوض ماء من بناء العرب طوله ألفا متر وعرضه ألفا متر وعمقه ثمانون مترا، وقد بني هذا الحوض على شكل سد بين الجبلين كلما ارتفع السد نحو الجبل انخفض البناء، فهذا الحوض يقال له في العربية: «المصنع»؛ ولذلك نقول بلا تردد: إن «المنصا» هي مقلوب مصنع، ويظهر أن الماء قليل هناك والأرض في غاية الخصب، فأحدث العرب هذا المصنع لأجل ري الأراضي، ولكنه الآن في حالة الخراب.
وقبل الساعة الثانية وصلنا إلى محطة بلد يقال له: «ألبيرة
Alpera »، وفي هذا البلد يوجد كهفان فيما سمعت منقوش فيهما على الصخور صور حيوانات ورجال يقال إنها باقية من العصر الجليدي، وفي تلك النواحي يكثر شجر البلوط، وقد بقينا نحو ساعتين في القطار نسير في بسائط من الأرض مرتفعة، وكلها من الأراضي الجيدة التي تزكو مزروعاتها. والساعة الثانية وثلاثة أرباع الساعة وصلنا إلى «شنجالة
Chinchilla »، وهي من المدن التي كانت عامرة في زمان العرب، وسيأتي ذكرها، وهي اليوم ملتقى سكتي الحديد اللتين إحداهما تذهب إلى مرسية والأخرى إلى قرطاجنة.
وفي الساعة الثالثة مررنا بقرية اسمها «سيلا»، ثم وصلنا إلى «البسيط»، وهي مدينة صغيرة منقسمة إلى قسمين: الأعلى والأدنى؛ فالحارة العليا هي الحارة القديمة والحارة السفلى هي الحارة العصرية. وأراضي هذه البلدة بسائط لا نهاية لها، فهي اسم على مسمى. وفي ما بعد البسيط إلى الشمال قناة ماء تسمى قناة «سان جورج»، وقناة أخرى تسمى قناة «ماريا كريستيا»، تنحدر مياهها إلى مستنقعات واقعة في أراضي البسيط، تتولد منها حميات. ثم وصلنا إلى «مينيا»، وفي الساعة الرابعة وصلنا إلى «الروضة»، ثم في الرابعة ونصف الساعة وصلنا إلى بلدة يقال لها: «فيلا روبلادو
Villarrobledo »، وفي هذه البلدة عشرة آلاف نسمة، وفيها شجر البلوط بكثرة، ومنه اشتق اسمها. والأرض هناك سهول مد النظر.
ثم وصلنا إلى بلدة اسمها «سوق وليم»، وبالإسبانيولي
Socuéllamos ، ثم مررنا ببلدة اسمها «كريبتانا
Criptana »، وهي قصبة فيها ثمانية آلاف نسمة، وفيها مطاحن كثيرة وزراعة، ولكن سوق وليم فيها حراج من شجر البلوط له ثمر حلو مرغوب فيه، ثم وصلنا إلى مدينة «القصر