تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Algenet »، وهناك خف الشجر، وصار أكثر المرج مباقل وزراعات حبوب متنوعة.

ثم وقفنا بمحطة يقال لها «بني فيو

Beni-Fayo » ظهر لنا منها برج عربي بقرب سكة الحديد، ورأيت برجا عربيا آخر في وسط البلدة. ولا أعلم أصل كلمة بني فيو، وإنما أظن أنها بني حيو، وأن حيو مرخم عن حيون، والترخيم كثير في العربي لا سيما في المغرب.

هذا ومن بعد أن تجاوزنا بني فيو قاصدين بلنسية انقطعت البساتين بعض الشيء، وصارت الأشجار من الخروب والزيتون، ولكن لم تلبث خضرة السقي أن رجعت وظهرت آثار الوادي الأبيض. ثم وقفنا بمحطة بلدة اسمها «سيلا

Silla »، ولا شك أنها أسيلة التي ذكرها ابن الأبار. ثم وقفنا في محطة بلدة اسمها «كاتاروجه»، ولم يظهر لي أصلها، ثم وقفنا بمحطة بلدة هي أقرب أرباض بلنسية إلى نفس المدينة، وهذه المحطة هي «الفافار

Alfafar » وبني توزر، فأما الفافار فأظنها محرفة عن الحفار أو الحفر؛ لأنهم يقلبون الحاء فاء، كما قالوا في البحيرة البفيرة، وأما توزر فهو اسم بلدة في إفريقية في نواحي الزاب الكبير من أعمال الجريد، وهي كثيرة النخل والبساتين، فلعل الذين عمروا هذه البلدة كانوا من ناقلة توزر، ثم وصلنا إلى بلنسية نحو الساعة الثانية عشرة، فكانت المسافة إليها من دانية بالقطار الحديدي أربع ساعات. وبلنسية ثالث مدينة في إسبانية من جهة العظمة، لا يوجد أعظم منها سوى مجريط وبرشلونة، وهي قد خلعت عنها الثوب العربي تماما، فإني لم أجد فيها آثارا عربية قديمة كما وجدت في طليطلة وإشبيلية وقرطبة وغرناطة، بل كل ما وجدته من آثار العرب أبراج وبوابات معدودة. ثم إني وجدت في المدن الأخرى - لا سيما في إشبيلية - أبنية محدثة قلدوا فيها طراز البناء العربي، ولكن لم أجد شيئا من ذلك في بلنسية، وإنما سمعت الموالية العربية باللغة الإسبانية في المقاهي بواسطة الحاكي؛ أي الكراموفون. ا.ه. فهذا ما وجدته في دفتر جيب محفوظ عندي عن انطباعات ذهني بما رأيته من مرسية إلى بلنسية.

ثم وجدت أيضا تقييدات في الدفتر نفسه عن مسيرتي من بلنسية إلى مجريط، وذلك بعد أن ذهبت من بلنسية إلى الجزائر الشرقية، وأقمت بميورقة نحوا من عشرين يوما، فرجعت إلى بلنسية، ومنها قصدت مجريط، وطريقها إلى مجريط هي غير طريق مرسية، فها أنا ذا أنقل ما قيدته يومئذ من لمحاتي؛ قلت: في الساعة العاشرة قبل الظهر ركبت القطار من بلنسية قاصدا مجريط، فبقي يخب بنا في غوطة بلنسية بين زرائع متنوعة وأشجار ملتفة الغالب عليها البرتقال، والجداول والأنهار تشق هذه الغوطة من كل جهة، ثم إنه بعد مسير ساعة بالسكة الحديدية وصلنا إلى أوعار تغير فيها النسق، وانقطعت النسبة، ولكن هذه الأوعار لم يطل أمرها حتى رجعنا إلى مرج أخضر ذي زرائع وكروم من عنب ورمان وتوت، والجداول تسقيها أيضا. ثم وقفنا في محطة شاطبة، وهي بلدة بين المرج والجبل، فالمرج أمامها والجبل وراءها، وعلى الجبل قلعتان شاهقتان، واسم الجبل «برنيسا

Bernisa »، والمرج كله من بلنسية إلى شاطبة معمور بالقرى أشبه بغوطة الشام. ثم انتهينا من المرج، وسرنا إلى الوعر، ووقفنا بمحطة بلدة فيها قلعة قديمة عظيمة يقال لها «منتيشة» وبالإسبانيولي

Montesa ، وقد ذكر هذه القرية صاحب نفح الطيب وقال: إنه ينسب إليها عدد من العلماء، لكنه لم يذكر منهم أحدا.

فأما ياقوت في معجم البلدان فقد ذكر منتيشه بالفتح ثم السكون وكسر التاء المثناة من فوقها وياء وشين معجمة، قال: إنها مدينة بالأندلس قديمة من أعمال كورة جيان، حصينة مطلة على بساتين وأنهار وعيون، وقيل إنها من قرى شاطبة (وهو الصحيح)، منها أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياض المخزومي الأديب المقرئ الشاطبي، ثم المنتيشي، روى عن أبي الحسن علي بن المبارك المقري الواعظ الصوفي المعروف بأبي البساتين، روى عنه أبو الوليد يوسف بن عبد العزيز بن الدباغ الحافظ. ا.ه.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣٧٥