ثم وقفنا بمحطة قرية اسمها «قليوزه
Caliosa de Ensarria »؛ أي الأنصارية بلا شك؛ لأن القبائل التي كانت تنسب إلى الأنصار من عرب الأندلس لا تعد ولا تحصى، ولهم أماكن تعرف بهم. ثم دخل القطار في جبال صخرية قريبة من البحر، ووصلنا إلى محطة يقال لها «كلب
Calape »، وأمامها سهل صغير ممتد إلى البحر، ثم بعده جبل ناتئ من نفسه في البحر شاهق يرتفع عن البحر نحوا من أربعمائة متر كأنه جبل طارق صغير.
ثم وصلنا إلى محطة يقال لها «بنيسه
Benisa »، وأظنها محرفة عن بني سعد، وهي عذي، وفيها كروم وزياتين، ورأيت فيها نواعير تدور دواليبها على الحيوانات كنواعير ساحل الشام. ثم وقفنا بمحطة يقال لها «طولاذه
Teulada »، والإسبان يلفظونها بالذال المعجمة، ثم دخلنا في جبال صخرية بغاية الوعورة، ومررنا بنفق تحت الأرض، وشاهدنا بلدة اسمها «حافية» في سفح جبل اسمه «برنيا»، وسمعت الأهالي يلفظون الحاء كما نلفظها - نحن العرب - لا كما يلفظها الإفرنج؛ أي هاء.
ثم وصلنا إلى محطة بلدة اسمها «غاته
Gata »، فهل أصلها قاته أو هي محرفة لا نعلم أصلها. ثم مررنا وراء الجبل المشرف على البحر، وأخذت الأرض هناك تميل إلى الحمرة، لكن الخروب لا يزال كثيرا، وكذلك اللوز، وكذلك كروم العنب، وشاهدت مساطيح الزبيب كما هي عندنا في جبل لبنان.
وفي الساعة الثانية عشرة نهارا وصلت إلى دانية، وهي اليوم بلدة صغيرة لها حصن على رأس رابية مشرفة على البحر تعلو عنه 30 أو 40 مترا، وهذا الحصن من بناء العرب، ووراء دانية جبل يعلو خمسمائة متر عن البحر، وبسفوحه قرى عامرة وجنان زاهرة. علمت أنه انكشف مؤخرا في دانية مقبرة عربية، فنسفوها كلها وأهدوا حجارتها متحف بلنسية.
هذا الخط كله شديد الحرارة في الصيف: مرسية، وأوريولة، وقرطاجنة، والقنت، ودانية، إلا الأماكن الجبلية، وفي النهار قد تهب ريح تخفف الحرارة، إلا أن هذه الريح قد تنقطع ليلا فلا يمكن النائم أن يقبل الغطاء، وقد بت ليلة واحدة في مرسية، وليلة في قرطاجنة، وليلة في القنت، وليلة في دانية، وما أتذكر أنني قدرت أن ألقي على نفسي لحافا أو غطاء مهما كان رقيقا، وكنت مع ذلك أترك النوافذ مفتوحة، وأحيانا أترك الباب أيضا مفتوحا؛ حتى أتمكن من الرقاد، فلا عجب إن كان العرب أحبوا هذه السواحل وعمروها؛ لأنهم آتون من الأقاليم الحارة.
في 25 أغسطس ركبت الساعة الثامنة صباحا قطارا قاصدا شاطبة فبلنسية، فمررنا بكروم وزياتين كثيرة، وشاهدت مساطيح الزبيب، ثم أخذنا نمر ببساتين البرتقال، ووقفنا بثلاث محاط أهمها محطة «أوليفا
Oliva »، وهي بلدة صغيرة لطيفة تغطيها بساتين البرتقال، ووراءها إلى الشمال الجبل، ثم وصلنا إلى «كنديا
Gendia »، وأظنها البلدة التي يسميها العرب «أندة» المحفوفة بأجمل بساتين بلنسية، وهي على مسافة أربعة كيلومترات من البحر. ثم بعد أن تجاوزناها نحو بلنسية ضاق السهل بين الجبل والبحر، ثم وقفنا في محطة «جاراكو
Jaraco »، ثم وصلنا إلى طبرنة، وهي في سفح جبل تحف بها البساتين والكروم، ثم وقفنا في محطة «بلدينية
Valdiagna »، ثم في محطة «لابراقه
Labarraca » لعلها البراقة، ولكن لم أجد هذا الاسم في كتب العرب. ومن قبل أن نجتاز طبرنة كان الخروب متصلا، وكذلك حراج الصنوبر، ولم نزل كذلك نشاهد هذه الحراج إلى أن قاربنا بلنسية، فعندها دخلنا بين بساتين البرتقال، ورأينا كثيرا من شجر النخل، ونزلنا بمحطة «قرقاجنت
Carcagente ».
ثم سرنا بقطار آخر إلى بلنسية، فرأينا غوطة بلنسية الشهيرة، وهي كلها مغطاة بالبرتقال والتوت وأصناف الفواكه والزرائع، والماء يجري في الجداول من كل نواحيها، ثم وقفنا في جزيرة شقر ويقولون لها «السيرة
Alcira »، وهي على نهر صغير هو نهر شقر، ومرج بلنسية شبيه بمرج غرناطة في الخصب وكثرة الشجر والزراعات، لكنه أكثر دوحا من مرج غرناطة، وفيه القرى الكثيرة كما في غوطة دمشق، وتخيلت نفسي بإزاء بساتين البرتقال كأني في بساتين صيدا أو يافا أو طرابلس الشام، إلا أن رقعة بساتين بلنسية أوسع. ثم وقفنا بمحطة «الجنيت