تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Beniel »، والراجح أن اسمها من أصل عربي، ولكني لم أتبين هذا الأصل، ثم وصلنا إلى محطة أوريولة، وهي المدينة المشهورة، وكان لها اسم آخر، وهو تدمير، ومرجها هو الغاية في الخصب، والقنب فيه بكثرة، ثم مررنا بمحطة بلدة اسمها «قلوزة شقوره

Callosa Segira »، وقبل الوصول إلى هذا المحط رأيت غابة نخيل وقنبا كثيرا. وبعد اجتيازنا قلوزه هذه لم نزل نشاهد شجر النخل وكذلك الزيتون، وكيفما توجه الإنسان في الأندلس لا بد أن يرى الزيتون.

ثم وصلنا إلى «الباترة

Albatra »، والنخيل بها كثير إلى الغاية، والسهل مد النظر، والجبال الجرد محيطة بالمروج الغناء، وتسمى الجبال التي في الشمال جبال «كريفيلانت

Crevilente »، والتي في الجنوب جبال «قلوزة»، ولو لم يكن للعرب جاذب إلى هذه البلاد سوى هذا النخل الكثير لكفى، ويكثر أيضا في هذه البقعة شجر الرمان.

ثم وصلنا إلى كريفيلنت، ولها سهول خصبة وكروم متسعة وزيتون ورمان وخروب، وكل ذلك من الكثرة بمكان. ثم وصلنا إلى محطة «ألش

Elche »، وفيها غابة نخل لا يوجد مثلها في الأندلس، تخيل لك أنك في أفريقية أو في جزيرة العرب، ورأيت بين النخل أناسا يصنعون الحبال كما يصنعونها في مزة الشام وفي ألش خروب ورمان وزيتون، وكله لا ينقطع.

ثم وصلت إلى القنت الساعة الثانية عشرة ونصف الساعة، فرأيتها بلدة لطيفة خفيفة على الروح أخف جدا على الروح من قرطاجنة، وبمدخلها أيضا غابة من النخل، وللبلدة مرسى لطيف على البحر له رصيف منتسقة فيه صفوف من النخل. ووراء القنت جبل عليه حصون، وهو قريب من البحر يكاد يتدلى إلى الماء.

سافرت الساعة الثامنة والنصف من القنت إلى دانية في قطار حديدي صغير يجري على خط ضيق، فذهب بنا إلى الشمال على شاطئ البحر، ولم يمض إلا قليل حتى دخلنا في كروم زيتون وعنب يسقى بجداول، ومررنا بعد ذلك بغيضة نخل، ورأينا كثيرا من الخروب والسهل منبسط ترابه أبيض ينتهي إلى سلسلة جبال عالية، فالذي يرى هذا النخل كله لا يظن أنه في قارة أوروبة. وبعد نحو ساعة من مسيرنا دخلنا في أرض ذات آكام قاحلة وأودية يابسة، ثم لم تزل هذه الآكام تصاحبنا والبحر من جهة أخرى يصاقبنا، حتى رجعت الأشجار تظهر شيئا فشيئا، لا سيما الخروب والزيتون واللوز. وقد وقف بنا القطار في ثلاث محاط، وذلك في مسيرة ساعة واحدة، وكانت المحطة الثالثة عند مدينة صغيرة فوق البحر اسمها «فيلا كويوزا»، ثم عبرنا على جسر عال فوق نهر يابس عميق، وسرنا في أرض تربتها بيضاء، والخروب واللوز هناك بكثرة زائدة، وهذان الصنفان من الشجر يكثران في الأراضي الناشفة.

ثم سألت من رافقني في القطار من أهل فيلا كويوزا هل عندهم آثار عربية في بلدتهم، فقالوا: لا نعرف سوى أن الكنيسة كانت في الأصل جامعا. ثم وقفنا في محطة يقال لها «بني دورم

Beni Dorm »، ونظنها بني دارم في الأصل تحرف لفظها بلسان الإسبانيول، وفي الجوار قرى كثيرة أسماؤها بني وبني؛ أي أسماء عربية، وهي: بني منتل، وبني فايو، وبني أرطاة، وبني أرفيح، وبني اليوبة، وبني دوليش، وبني أرنبيش، وغيرها، مما ظهر لنا أصله العربي مثل بني أرطاة، ومما لم يظهر، وربما كانت هناك عائلات إسبانية من الأصل استعربت بجوار العرب، فأطلقوا عليها لفظة بني؛ ولهذا أمثال مثل بني «قسي» في شرقي الأندلس وبني «أنجلينو»، وبني «سباريكو» في إشبيلية وغير ذلك.

والأراضي في كل هذه المسافة ليست فيها مياه جارية وترابها أبيض، إلا أننا نحو الساعة العاشرة ونصف الساعة وصلنا إلى قرية لطيفة مشرفة على البحر لها آكام رفيعة تتخللها زرائع تسقى من عيون جارية، واسم هذه القرية «ألطيه

Altea »، ومن يدري فقد تكون محرفة عن آل طي، فإن المقري في النفح يقول: إن منازل طي بقبلي مرسية.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣٧٣