قالت لي النفس أتاك الردى
وأنت في بحر الخطايا مقيم
فما ادخرت الزاد قلت اقصري
هل يحمل الزاد لدار الكريم
ذكر ذلك المقري في نفح الطيب. ثم إننا قرأنا في التكملة لابن الأبار ترجمة أبي محمد طارق بن موسى بن يعيش المخزومي المنصفي المتوفى بمكة، سنة 549، وقد نقلنا ترجمته بين تراجم علماء بلنسية، وهو في الحقيقة من المنصف قرية من قرى بلنسية. (6) طبرنة
TABERNAS
ومن أعمال بلنسية طبرنة، وهي على عشرين كيلومترا من بلنسية، وهي في وسط جنان بلنسية الشهيرة. وفي هذه القرية كانت الوقعة المشهورة للنصارى على المسلمين، وهي التي يقول فيها أبو إسحاق بن يعلى الطرسوني:
لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم
حلل الحرير عليكم ألوانا
ما كان أحسنكم وأقبحهم بها
لو لم يكن بطبرنة ما كانا
وقد ذكر هذه القرية صاحب النفح واستشهد بهذين البيتين. (7) جزيرة شقر
ومن أعمال بلنسية جزيرة شقر،
4
والإسبانيون يقولون لهذه القصبة جوكار
Jucar ، وكان الرومانيون يقولون لها سوكرو
Sucro ، وفيها آثار حصن قديم، وموقعها من أبدع المواقع، ولها نهر يجري بجانبها وزراعاتها كثيرة، وفيها البرتقال والنخيل، ويزرعون في جوانبها الأرز، وجزيرة شقر يدور ذكرها كثيرا في كتب الأندلس، وقد جاءت في معجم البلدان، قال ياقوت: جزيرة شقر - بفتح أوله وسكون ثانيه - في شرقي الأندلس، وهي أنزه بلاد الله وأكثرها روضة وشجرا وماء. وكان الأديب أبو عبد الله محمد بن عائشة الأندلسي كثيرا ما يقوم بها، وله في ذكرها شعر منه:
ألا خلياني والصبا والقوافيا
أرددها شجوي فأجهش باكيا
ومنها:
وهيهات حالت دون شقر وعهدها
ليال وأيام تخال لياليا
فقل في كبير عاده عائد الصبا
فأصبح مهتاجا وقد كان ساليا
فيا راكبا مستعمل الخطو قاصدا
ألا عج بشقر رائحا ومغاديا
وقف حيث سال النهر ينساب أرقما
وهب نسيم الأيك ينفث راقيا
وقل لأثيلات هناك وأجرع
سقيت أثيلات وحييت واديا
وقيل لها جزيرة شقر لأنها بموقعها على نهر شقر أشبه بجزيرة، والإسبانيون يقولون لها: «السيرة
Alcira »، وهي تحريف جزيرة، وليس ذلك بغريب، فعندنا جزر صغيرة مركبة من الأنهر تقول العامة للواحدة منها: «زيرة»، بحذف الجيم، وهكذا حصل في الأندلس. وجزيرة شقر اليوم مدينة سكانها يزيدون على عشرين ألفا، وربما كانت في زمان العرب أعمر منها اليوم.
من ينسب من العلماء والأدباء إلى شقر
وأما من ينسب من العلماء والأدباء إلى جزيرة شقر فعدد كبير، منهم أبو عبد الله بن مسلم بن فتحون المخزومي، كان فقيها مشاورا.
ومنهم أبو القاسم محمد بن أحمد بن حاضر الجزيري الخزرجي، قدم مصر وسكن قوص، وكان فصيحا عالما، وكان من عدول بلنسية، ومات بالقاهرة سنة 639، ترجمه صاحب نفح الطيب .
ومنهم أبو الحجاج يوسف بن أحمد بن طحلوس، صحب أبا الوليد بن رشد وأخذ عنه علمه، وسمع من أبي عبد الله بن حميد، وأبي القاسم بن وضاح، وكان من العلماء والأطباء، وهو آخر الأطباء بشرق الأندلس مع الديانة ولين الجانب والتحقق بعلوم الأوائل ومعرفة النحو، توفي سنة 620، ذكره ابن الأبار.
وأبو محمد بن أحمد بن الحاج الهواري، يعرف بابن حفاظ، روى عن أبي وليد الباجي، وتفقه به، وكان من أصحاب أبي الحسن طاهر بن مفوز، وكان ورعا فاضلا، ذكره ابن الأبار في التكملة.
وأبو محمد عبد الله بن عمر السلمي، وهو والد القاضي أبي حفص بن عمر، روى عن صهره أبي محمد اللخمي سبط أبي عمر بن عبد البر، وسكن معه أغمات بالمغرب الأقصى حين ولي قضاءها، وبها ولد له ابنه أبو حفص، ولما ولي القضاء قال له صهره أبو محمد اللخمي: إنك قد ابتليت بالقضاء وهو أمر عظيم؛ فأوصيك بما يهونه عليك وينفعك الله به: لا تبيتن وفي قلبك غش أو عداوة لأحد من خلق الله. قال أبو حفص: فكذلك كان - رحمه الله.
وأبو محمد عبد الله بن باديس بن عبد الله بن باديس اليحصبي، من أهل جزيرة شقر، سكن بلنسية، قال ابن الأبار: سمع شيخنا عبد الله بن نوح وتفقه به، ثم رحل إلى إشبيلية، وأخذ عن مشيختها، وأجاز البحر إلى فاس، فلقي هناك أبا الحجاج بن نوى وطبقته من أهل علم الكلام وأصول الفقه، فأخذ عنهم، وأجاز له جماعة منهم، وعاد إلى بلنسية فاجتمع إليه بالمسجد الجامع منها، ونوظر عليه في المستصفى لأبي حامد وغير ذلك، وقد حضرت تدريسه وصحبته وقتا، وكان شكس الخلق مع الانقباض والتصاون، وتنسك بآخرة من عمره، وأجهد نفسه قياما وصياما إلى أن توفي في شعبان سنة 622، وكانت جنازته مشهودة. انتهى ما قاله ابن الأبار.