ومن بديع ما صدر عنه في ما كتب في غرض التورية قطعة من رسالة أجاب بها العباس بن أمية، وقد أعلمه باستيلاء الروم على بلنسية، فقال: بالله أي نحو تنحو أو مسطور تثبت أو تمحو، وقد حذف الأصل والزائد، وذهبت الصلة والعائد، وباب التعجب طال، وحال اليأس لا تخشى الانتقال، وذهبت علامة الرفع، وفقدت نون الجمع، والمعتل أعدى الصحيح ، والمثلث أردى الفصيح، وامتنعت الجموع من الصرف، وأمنت زوائدها من الحذف، ومالت قواعد الملة، وصرنا جمع القلة، وظهرت علامة الخفض، وجاء بدل الكل من البعض؟!
وله تأليف في كائنة المرية وتغلب الروم عليها، نحا فيها نحو العماد الأصفهاني في الفتح القدسي، وكتابة في تعقبه على فخر الدين بن الخطيب الرازي في كتاب «المعالم» في أصول الفقه منه ورده على كمال الدين أبي محمد عبد الكريم السماكي في كتابه المسمى ب «التبيان في علم البيان»، واختصار نبيل من تاريخ ابن صاحب الصلاة، وغير ذلك من التعاليق والمقالات، ودون الأستاذ أبو عبد الله بن هاني السبتي كتابته، وما يتخللها من الشعر في سفرين بديعين، وسمى ذلك «بغية المستطرف وغنية المتظرف. من كلام إمام الكتابة ابن عميرة أبي المطرف»، مولده بجزيرة شقر، وقيل ببلنسية، في رمضان عام اثنين وثمانين وخمسمائة، ووفاته بتونس ليلة الجمعة الموفية عشرين ذي الحجة عام ستة وخمسين وستمائة.
وأبو عبد الله محمد بن أبي سفيان بن أبي إسحاق الواعظ، سمع من أبي المعالي إدريس بن يحيى الواعظ، وولي الحسبة بالسوق، وكان يعظ بمسجده المشتهر بمسجد الغلبة، قال ابن الأبار: وفيه قرأت على شيخنا أبي عبد الله بن نوح هذا، وقد كتب أبو الحسن بن النعمة كثيرا مما سمعه من المترجم مستفادا عن أبي المعالي إدريس المذكور، وذلك في سنة 512، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البراء. روى عن أبي هذيل، وابن النعمة، وأبي حفص بن واجب، وتفقه بأبي محمد بن عاشر، وأبي بكر بن أسد، ورحل إلى المرية فلقي أبا القاسم بن ورد، وكان فقيها حافظا من أهل الدين والفضل، وولي خطة الشورى ببلنسية للقاضي أبي محمد بن جحاف، وتوفي في رجب سنة 548، عن ابن الأبار.
وأبو مروان عبيد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن بن مسعود بن عيشون المعافري، من أهل بلنسية، وأصله من لبرقاط عمل أبيشة من ثغورها الشرقية، روى عن أبي الوليد بن الدباغ، ورحل حاجا، فأدى الفريضة ولقي أبا علي بن العرجاء بمكة، وأبا طاهر السلفي بالإسكندرية، وأبا عبد الله المازري بالمهدية، قال ابن الأبار: وكان نهاية في الصلاح والفضل وأعمال البر والخير، وجيها متواضعا، صرورة لم يتزوج قط، وكان إخباريا ممتعا، واقتنى من الدواوين والدفاتر كثيرا، وكان صاحب ثروة ويسار، وهو بنى المسجد المنسوب إليه على مقربة من باب القنطرة من داخل بلنسية، ووقف عليه دارا لسكنى من يؤم به، وتوفي سنة 573 أو 574.
| هوامش
| عود إلى جغرافية بلنسية وملحقاتها
إن مملكة بلنسية القديمة مقسومة الآن إلى ثلاث مقاطعات: الأولى قشتليون
Castellon ، ومساحتها 6465 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها 322213، والثانية بلنسية، ومساحتها 10758 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها مع ملحقاتها 884298، والثالثة مقاطعة القنت، ومساحتها 5799 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها 497616.
وهذه البلاد هي عبارة عن ساحل البحر وما يليه من الداخل، تنحدر إليها مياه عدة أودية، أهمها وادي الأبيض، فتجرف من الأتربة ما تجرفه، حتى يقال: إن ساحل البحر ارتفع نحوا من مائة متر عما كان من قبل؛ ولذلك هي موصوفة بالخصب، وضفاف بحيرة
1
بلنسية تعطي عدة مواسم في السنة. وظاهر على أهل هذه الشواطئ سحناء العرب، وهم أهل شغل ودأب، لا سيما في الفلاحة والزراعة، وعندهم حسن خلق، لكن أمزجتهم عصبية. ويوجد عند الإسبانيين مثل سائر يشير إلى طبائعهم، ولكن في الحقيقة غير مطابق للواقع؛ فهم يقولون عنهم: إن الحيوان عندهم نبات والنبات ماء، والذكر أنثى والأنثى لا شيء.