وأبو أحمد جعفر بن عبد الله بن محمد بن سيد بونه الخزاعي ، قرأ وتفقه ببلنسية، وأخذ عن أبي الحسن بن النعمة، وأبي الحسن بن هذيل، وحج ولقي في رحلته جلة أكبرهم الولي الكبير سيدي أبو مدين شعيب، وانتفع به ورجع من عنده بعجائب دينية ورفيع أحوال إيمانية، كما قال لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة، ترجمه أبو العباس المقري في نفح الطيب، وقال عنه: إنه العارف الكبير، الولي الصالح الشهير، كان كثير الأتباع بعيد الصيت، شهر بالعبادة وتبرك الناس به، وتوفي - رحمه الله تعالى - في شوال سنة 624، وعاش نيفا وثمانين سنة. وقال لسان الدين بن الخطيب: لقيت قريبه الشيخ أبا تمام غالب بن الحسين بن سيد بونه حين ورد غرناطة، فكان يحدث عنه بعجائب وقال: إنه انتقل الكثير من أهله وأذياله عند تغلب العدو على الشرق إلى هذه الحضرة، فسكنوا منها ربض البيازين على دين وانقباض، وبالحضرة اليوم منهم بقية؛ أي إنه لما غلب العدو على شرق الأندلس هاجروا إلى غرناطة، وذكر لسان الدين أن موضع وفاة الشيخ المذكور مكان يقال له زناتة.
وأحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن عميرة المخزومي البلنسي، أصله من شقورة، يكنى أبا المطرف، قال لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة: لم يكن من أهل بيت نباهة، ووقع لابن عبد الملك في ذلك نقل كان حقه التجافي عنه لو وفق، روى عن أبي الخطاب بن واجب، وأبي الربيع بن سلام، وأبي عبد الله بن فرج، وأبي علي الشلويين، وأبي عمر بن عات، وأبي محمد بن حوط الله، وأجازوا له، وروى عنه كثيرون، وصحب أبا عبد العزيز بن عبد الله بن خطاب قبل توليه ما تولى من رئاسة بلده، وكتب عن الرئيس أبي جميل زيان بن سعد وغيره من شرق الأندلس. ثم انتقل إلى العدوة، واستكتبه الرشيد أبو محمد بن أبي الوليد بمراكش، ثم صرفه عن الكتابة وولاه قضاء مليانة من نظر مراكش الشرقي، فتولاه قليلا ثم نقله إلى رباط الفتح، وتوفي الرشيد فأقره على ذلك الوالي بعده أبو الحسن المعتضد أخوه، ثم نقله إلى قضاء مكناسة الزيتون، ثم لما قتل المعتضد لحق بسبتة، وركب البحر منها إلى إفريقية، فقدم بجاية على الأمير أبي زكريا.
ثم توجه إلى تونس فنجحت بها وسائله، وولي قضاء مدينة الأريس، ثم انتقل إلى فاس، وبها طالت مدة ولايته؛ فاستدعاه المستنصر بالله محمد بن أبي زكريا، ولطف محله منه حتى كان يحضر مجالس أنسه، وداخله بما قرفته الألسن بسببه. قال ابن عبد الملك: كان أول طلبه شديد العناية بشأن الرواية، فاستكثر من سماع الحديث، وأخذ عن مشايخ أهله، وتفنن في العلوم، ونظر في العقليات وأصول الفقه، ومال إلى الأدب فبرع فيه براعة عد بها من كبار مجيدي النظم.
وأما الكتابة فهو علمها المشهور، وواحدها الذي عجزت عن ثانيه الدهور، ولا سيما في مخاطبة الإخوان، هنالك استولى على أمد الإحسان، وله المنقولات المنتخبة، والقصار المقتضبة، وكان يعلم كلامه نظما ونثرا بالإشارة إلى التاريخ، ويودعه إلماعات بالمسائل العلمية متنوعة المقصد. قال لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة: قلت: وعلى الجملة فذات أبي المطرف فيما ينزع إليه ليست من ذوات الأمثال؛ فقد كان نسيج وحده إدراكا وتفننا، بصيرا بالعلوم، محدثا مكثرا، راوية ثبتا، متبحرا في التاريخ والأخبار، ريان، مضطلعا بالأصلين، قائما على العربية واللغة، كلامه كثير الحلاوة والطلاوة، جم العيون، غزير المعاني والمحاسن، شفاف اللفظ، حر المعنى، ثاني بديع الزمان في شكوى الحرفة، وسوء الحظ، ورونق الكلام، ولطف المأخذ، وتبريز النثر على النظم، والقصور في السلطانيات، قال: كان يذكر أنه رأى النبي
صلى الله عليه وسلم
فناوله أقلاما، فكان يرى ويرى له أن تأويل الرؤيا ما أدرك من التبريز في الكتابة، وارتفاع الذكر والله أعلم.