تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: سنة 636 يوم الثلاثاء السابع عشر لصفر تغلب العدو على بلنسية، واضطر أهلها إلى التسليم، ولكنهم لم يسلموها إلى سنة 637، فيظهر أن المترجم كان من جملة من جلوا عنها في تلك السنة إلى تونس، ذهب مع نسيبه الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي بكر القضاعي البلنسي المعروف بابن الأبار.

وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن خلف بن علي بن قاسم الأنصاري، من أهل بلنسية، ويقال إنه من بيت أبي محمد بن قاسم - قاضي قلعة أيوب - وكان هو يقول: أصلي من قلعة أيوب، وكان جدي بها قاضيا، سمع من أبي العطاء بن نذير ومن أبي الخطاب بن واجب، ولكن أكثر أخذه كان عن أبي عبد الله بن نوح، وعني بعقد الشروط في أول طلبه، ثم رغب عن ذلك، وزهد في الدنيا، واعتزل الناس، وأقبل على النظر في العلم، وكان له تحقق بالتفسير، وقعد لذلك بجامع بلنسية وقتا، إلا أن طريقة التصوف كانت أغلب عليه، وألف كتاب «نسيم الصبا» في الوعظ على طريقة الجوزي. قال ابن الأبار: قرأ علي بلفظه مواضع منه، وكتاب «بغية النفوس الزكية في الخطب الوعظية» من إنشائه، كتبته عنه، وسمعت منه غير ذلك، وأجاز لي، وصحبته طويلا، وكان يحدثني باصطحابه مع أبي - رحمه الله - في السماع من أبي عبد الله بن نوح، ويرعى ذلك لي، وقد سمع بقراءتي بجامع بلنسية بين العشاءين لضوء السراج كثيرا مما أخذت عن أبي الخطاب بن واجب، كجامع الترمذي وغيره، ودعي إلى الخطبة بعد وقوع الفتنة، وعرف بالحاجة الماسة إليه في ذلك فأجاب، ثم استعفى فأعفي، وأقام بشاطبة حال حصار بلنسية؛ لأنه كان وجه إلى مرسية لاستمداد أهلها، وتوفي بأوريولة عصر الخميس الثاني والعشرين لرجب سنة 640، ودفن لصلاة الجمعة، وحضر جنازته الخاصة والعامة، وازدحموا على نعشه حتى كسروه به، قال: وفي ظهر يوم الخميس العاشر من شوال بعده قدم أحمد بن محمد بن هود - والي مرسية - بجماعة من وجوه النصارى، فملكهم مرسية صلحا. ا.ه.

قلت: رحم الله أبا البقاء صالح بن شريف الرندي القائل في مرثيته الشهيرة للأندلس:

فاسأل بلنسية ما شأن مرسية

وأين شاطبة أم أين جيان؟!

نعم لم يتأخر سقوط مرسية عن سقوط بلنسية إلا ثلاث سنوات؛ لأنهما على خط واحد، وكل منهما أشبه بدمشق في كثرة الجنان والتفاف الأشجار وتدفق الأنهار

وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم .

وأبو بكر محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن سليمان الزهري، يعرف بابن محرز، وكان بيتهم قديما يعرف بابن القح، سمع من أبيه أبي عبد الله، ومن خاليه أبي بكر، وأبي عامر ابني أبي الحسن بن هذيل، ومن أبي محمد بن عبيد الله الحجري، ومن أبي عبد الله بن الغازي، وأبي عبد الله بن نوح، وأبي عبد الله المناصف، وغيرهم. وأجاز له أبو بكر بن خير، وأبو محمد بن فليح، وأبو الحسن بن النقرات، وأبو العباس بن مضاء، وغيرهم من أهل الأندلس، ومن أهل المشرق أجاز له أبو الحسن بن المفضل، وأبو عبد الله الكركنتي، وأبو الفضل الغزنوي، وأبو القاسم هبة الله بن سعود البوسيري، قال ابن الأبار: وكان أحد رجال الكمال علما وإدراكا وفصاحة، مع الحفظ بالفقه والتفنن بالعلوم والمتانة بالآداب والغريب، وله شعر رائق بديع سمعت منه كثيرا، وأجاز لي، وتوفي ببجاية (بلاد الجزائر) في الثامن عشر لشوال سنة 655 عن سن عالية، ومولده ببلنسية سنة 569.

ومعاوية بن محمد، ولي قضاء بلنسية سنة 239، ذكره ابن حارث، ولم يزد ابن الأبار في ترجمته على هذا السطر الواحد.

ومروان بن محمد بن عبد العزيز التجيبي من أهل بلنسية، وأصل سلفه من قرطبة، وفي انتسابهم إلى تجيب خلاف. يكنى أبا عبد الملك، وكناه طاهر بن مفوز بأبي المطرف في إجازة أبي عمر بن عبد البر له ولابنيه محمد وأحمد، سمع من أبي المطرف بن جحاف، وأبي الوليد الوقشي، وأبي عبد الله بن سعدون القروي ، وأبي داود المقرئ، وأبي بكر بن القدرة، وغيرهم. وأجاز له ابن عبد البر، وأبو مروان بن سراج، ولابنيه أحمد وعبد الله في جمادى الآخرة سنة 488، وكان معتنيا بسماع الحديث وروايته وانتساخ دواوينه مع جلالة القدر ونباهة البيت، وإلى أخيه الوزير أبي بكر أحمد بن محمد كان تدبير بلنسية في الفتنة، ولم يدخل مروان في شيء من ذلك، ومن ولده بنو عبد العزيز الباقون ببلنسية إلى أن تغلب الروم عليها ثانية في آخر صفر سنة 636. قال ابن الأبار الذي نقلنا عنه هذه الترجمة: وتوفي بعد التسعين وأربعمائة.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣٤٦