تعمل بها إني امرؤ ناصح
فما جماع الخير إلا الذي
كان عليه السلف الصالح
وقال:
رب إن لم تؤتني سعة
فاطو عني فضلة العمر
لا أحب اللبث في زمن
حاجتي فيه إلى البشر
فهم كسر لمنجبر
ما هم جبر لمنكسر
ولما وصل ابن جبير - رحمه الله - مكة 13 ربيع الآخر سنة 579 أنشد قصيدته التي أولها:
بلغت المنى وحللت الحرم
فعاد شبابك بعد الهرم
فأهلا بمكة أهلا بها
وشكرا لمن شكره يلتزم
وهي طويلة وسيأتي بعضها. وقال - رحمه الله - عند تحركه للرحلة الحجازية:
أقول وقد دعا للخير داع
حننت له حنين المستهام
حرام أن يلذ لي اغتماض
ولم أرحل إلى البيت الحرام
ولا طافت بي الآمال إن لم
أطف ما بين زمزم والمقام
ولا طابت حياة لي إذا لم
أزر في طيبة خير الأنام
وأهديه السلام وأقتضيه
رضى يدني إلى دار السلام
ولنختم ترجمته بقوله:
أحب النبي المصطفى وابن عمه
عليا وسبطيه وفاطمة الزهرا
هم أهل بيت أذهب الرجس عنهم
وأطلعهم أفق الهدى أنجما زهرا
موالاتهم فرض على كل مسلم
وحبهم أسنى الذخائر للأخرى
وما أنا للصحب الكرام بمبغض
فإني أرى البغضاء في حقهم كفرا
هم جاهدوا في الله حق جهاده
وهم نصروا دين الهدى بالظبى نصرا
عليهم سلام الله ما دام ذكرهم
لذي الملأ الأعلى وأكرم به ذكرا
وقوله في آخر الميمية:
نبي شفاعته عصمة
فيوم التنادي به يعتصم
عسى أن تجاب لنا دعوة
لديه فنكفى بها ما أهم
ويرعى لزواره في غد
ذماما فما زال يرعى الذمم
عليه السلام وطوبى لمن
ألم بتربته فاستلم
أخي كم نتابع أهواءنا
وتخبط عشواؤها في الظلم
رويدك جزت فعج واقتصد
أمامك نهج الطريق الأعم
وتب قبل عض بنان الأسى
ومن قبل قرعك سن الندم
ومنها:
وقل: رب هب رحمة في غد
لعبد بوسم العصاة اتسم
جرى في ميادين عصيانه
مسيئا ودان بكفر النعم
فيا رب صفحك عما جنى
ويا رب عفوك عما اجترم
وقال المقري - رحمة الله عليه - في الباب السابع من كتابه ما نصه: ومن الحكايات في مروءة أهل الأندلس ما ذكره صاحب الملتمس في ترجمة الكاتب الأديب الشهير أبي الحسين بن جبير صاحب الرحلة، وقد قدمنا ترجمته في الباب الخامس من هذا الكتاب، وذكرنا هنالك أنه كان من أهل المروءات عاشقا في قضاء الحوائج والسعي في حقوق الإخوان، وأنشدنا هنالك قوله: «يحسب الناس بأني متعب ... إلخ»، وقد ذكر ذلك كله صاحب الملتمس ثم قال (أعني صاحب الملتمس): ومن أغرب ما يحكى أني كنت أحرص الناس على أن أصاهر قاضي غرناطة أبا محمد عبد المنعم بن الفرس؛ فجعلته يعني أبا جبير الواسطة حتى تيسر ذلك، فلم يوفق الله ما بيني وبين الزوجة، فجئته وشكوت له ذلك، فقال: أنا ما كان القصد بي في اجتماعكما، ولكن سعيت جهدي في غرضك، وها أنا أسعى أيضا في افتراقكما إذ هو من غرضك، وخرج في الحين ففصل القضية. ولم أر في وجهه أولا ولا أخيرا عنوانا لامتنان.
ثم إنه طرق بابي ففتحت له، ودخل وفي يده محفظة فيها مائة دينار مؤمنية، فقال: يا ابن أخي، اعلم أني كنت السبب في هذه القضية، ولم أشك أنك خسرت فيها ما يقارب هذا القدر الذي وجدته الآن عند عمك، فبالله ألا ما سررتني بقبوله، فقلت له: أنا ما أستحي منك في هذا الأمر، والله إن أخذت هذا المال لأتلفنه فيما أتلفت فيه مال والدي من أمور الشباب، ولا يحل لك أن تمكنني به بعد أن شرحت لك أمري، فتبسم وقال: لقد احتلت في الخروج عن المنة بحيلة، وانصرف بماله. انتهى.
ثم قال صاحب الملتمس: وتذاكرنا يوما معه حالة الزاهد أبي عمران المارتلي فقال: صحبته مدة فما رأيت مثله، وأنشدني شعرين ما نسيتهما ولا أنساهما ما استطعت، فالأول قوله:
إلى كم أقول فلا أفعل
وكم ذا أحوم ولا أنزل
وأزجر عيني فلا ترعوي
وأنصح نفسي فلا تقبل
وكم ذا تعلل لي ويحها
بعل وسوف وكم تمطل
وكم ذا أؤمل طول البقا
وأغفل والموت لا يغفل
وفي كل يوم ينادي بنا
منادي الرحيل ألا فارحلوا