تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طال شوقي إلى بقاء ثلاث

لا تشد الرحال إلا إليها

إن للنفس في سماء المعالي

طائرا لا يحوم إلا عليها

قص منه الجناح فهو مهيض

كل يوم يرجو الوقوع لديها

وعاد - رحمه الله - إلى الأندلس بعد رحلته الأولى التي حل فيها دمشق والموصل وبغداد، وركب إلى المغرب من عكا مع الإفرنج، فعطب في خليج صقلية الضيق وقاسى شدائد إلى أن وصل الأندلس سنة 581، ثم أعاد المسير إلى المشرق بعد مدة إلى أن مات بالإسكندرية كما تقدم، ومن شعره أيضا:

لي صديق خسرت فيه ودادي

حين صارت سلامتي منه ربحا

حسن القول سيئ الفعل كالجز

زار سمى وأتبع القول ذبحا

وحدث - رحمه الله - بكتاب الشفاء عن أبي عبد الله محمد بن عيسى التميمي عن القاضي عياض. ولما قدم مصر سمع منه الحافظان أبو محمد المنذري وأبو الحسين يحيى بن علي القرشي. وتوفي ابن جبير بالإسكندرية يوم الأربعاء السابع والعشرين من شعبان سنة 614، والدعاء عند قبره مستجاب، قاله ابن الرقيق - رحمه الله - وقال «أبو الربيع بن سالم»: أنشدني أبو محمد عبد الله بن التميمي البجائي، ويعرف بابن الخطيب، لأبي الحسين بن جبير، وقال: وهو مما كتب إلي به من الديار المصرية في رحلته الأخيرة لما بلغه ولايتي قضاء سبتة، وكان أبو الحسين سكنها قبل ذلك، وتوفيت هنالك زوجته بنت أبي جعفر الوقشي، فدفنها بها:

بسبتة لي سكن في الثرى

وخل كريم إليها أتى

فلو أستطيع ركبت الهوى

فزرت بها الحي والميتا

وأنشد ابن جبير - رحمه الله - لنفسه عند صدوره عن الرحلة الأولى إلى غرناطة أو في طريقها قوله:

لنحو أرض المنى من شرق أندلس

شوق يؤلف بين الماء والقبس

إلى آخرها.

وقال - رحمه الله:

وإني لأوثر من أصطفي

وأغضي على زلة العاثر

وأهوى الزيارة ممن أحب

لأعتقد الفضل للزائر

وقال - رحمه الله:

عجبت للمرء في دنياه تطمعه

في العيش والأجل المحتوم يقطعه

يمسي ويصبح في عشواء يخبطها

أعمى البصيرة والأعمال تخدعه

يغتر بالدهر مسرورا بصحبته

وقد تيقن أن الدهر يصرعه

ويجمع المال حرصا لا يفارقه

وقد درى أنه للغير يجمعه

تراه يشفق من تضييع درهمه

وليس يشفق من دين يضيعه

وأسوأ الناس تدبيرا لعاقبة

من أنفق العمر فيما ليس ينفعه

وقال:

صبرت على غدر الزمان وجعده

وشاب لي السم الذعاف بشهده

وجربت إخوان الزمان فلم أجد

صديقا جميل الغيب في حال بعده

وكم صاحب عاشرته وألفته

فما دام لي يوما على حسن عهده

وكم غرني تحسين ظني به فلم

يضئ لي على طول اقتداحي لزنده

وأغرب من عنقاء في الدهر مغرب

أخو ثقة يسقيك صافي وده

بنفسك صادم كل أمر تريده

فليس مضاء السيف إلا بحده

وعزمك جرد عند كل مهمة

فما نافع مكث الحسام بغمده

وشاهدت في الأسفار كل عجيبة

فلم أر من قد نال جدا بجده

فكن ذا اقتصاد في أمورك كلها

فأحسن أحوال الفتى حسن قصده

وما يحرم الإنسان رزقا لعجزه

كما لا ينال الرزق يوما بكده

حظوظ الفتى من شقوة وسعادة

جرت بقضاء لا سبيل لرده

وقال:

الناس مثل ظروف حشوها صبر

وفوق أفواهها شيء من العسل

تغر ذائقها حتى إذا كشفت

له تبين ما تحويه من دخل

وقال:

تغير إخوان هذا الزمان

وكل صديق عراه الخلل

وكانوا قديما على صحة

فقد داخلتهم حروف العلل

قضيت التعجب من أمرهم

فصرت أطالع باب البدل

انتهى بتصرف. ولابن جبير - رحمه الله تعالى:

من الله فاسأل كل أمر تريده

فما يملك الإنسان نفعا ولا ضرا

ولا تتواضع للولاة فإنهم

من الكبر في حال تموج بهم سكرا

وإياك أن ترضى بتقبيل راحة

فقد قيل عنها إنها السجدة الصغرى

وهو نحو قول قائل:

أيها المستطيل بالبغي أقصر

ربما طأطأ الزمان الرءوسا

وتذكر قول الإله تعالى

إن قارون كان من قوم موسى

وقال وقد شهد العيد بطندة من قرى مصر:

شهدنا صلاة العيد في أرض غربة

بأجواز مصر والأحبة قد بانوا

فقلت لخلي في النوى: جد بمدمع

فليس لنا إلا المدامع قربان

وقال ابن جبير:

قد أحدث الناس أمورا فلا

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣٢٠