تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورب كلام يجر اعتذارا

وكيف تمن على من به

نؤمل للسيئات اغتفارا

دعاني إليك هوى كامن

أثار من الشوق ما قد أثارا

فناديت لبيك داعي الهوى

علي وقلت: رضيت اختيارا

أخوض الدجى وأروض السرى

ولا أطعم النوم إلا غرارا

ولو كنت لا أستطيع السبيل

لطرت ولو لم أصادف مطارا

42

عسى لحظة منك لي في غد

تمهد لي في الجنان القرارا

فما ضل من بسراك اهتدى

ولا ذل من بذراك استجارا

وفي غبطة من من الله عليه بحج بيته وزيارة قبر نبيه

صلى الله عليه وسلم

يقول:

هنيئا لمن حج بيت الهدى

وحط عن النفس أوزارها

43

فإن السعادة مضمونة

لمن حج طيبة أو زارها

وفي مثل ذلك يقول:

إذا بلغ المرء أرض الحجاز

فقد نال أفضل ما أمله

وإن زار قبر نبي الهدى

فقد كمل الله ما أم له

وقال في تفضيل المشرق:

لا يستوي شرق البلاد وغربها

الشرق حاز الفضل باستحقاق

انظر ترى للشمس عند طلوعها

زهوا يزيد ببهجة الإشراق

وانظر لها عند الغروب كهيئة

صفراء تعقب ظلمة الآفاق

وكفى بيوم طلوعها من غربها

أن تؤذن الدنيا بعزم فراق

وقال في الوصايا:

عليك بكتمان المصائب واصطبر

عليها فما أبقى الزمان شقيقا

كفاك بشكوى الناس إذ ذاك أنها

تسر عدوا أو تسيء صديقا

وقال:

ومصانع المعروف فلتة عاقل

إن لم تضعها في محل عاقل

كالنفس في شهواتها إن لم تكن

وقفا لها عادت بضر عاجل (4-4) نثره

من حكمه قوله: إن شرف الإنسان فبشرف وإحسان، وإن فاق فبفضل وإرفاق. ينبغي أن يحفظ الإنسان لسانه كما يحفظ الجفن إنسانه؛ فرب كلمة تقال تحدث عثرة لا تقال. كم كست فلتات الألسنة الحداد من ورائها ملابس حداد! نحن في زمان لا يحصل فيه نفاق إلا من عامل بالنفاق. شغل الناس عن الطريق بزخارف الأعراض؛ فنسوا الصدود عنها والإعراض ... آثروا دنيا هي أضغاث أحلام، وكم هفت في حبها من أحلام. وأطالوا فيها آمالهم وقصروا أعمالهم! ما بالهم لم يتفرغوا لغيرها؟! ما لهم في غير ميدانها استباق ولا لسوى هواها اشتياق. تالله لو كشفت الأسرار لما كان هذا الإصرار، ولسهرت العيون وتفجر من شئونها الجفون. لو أن عين البصيرة من سنتها هابة لرأت ما في الدنيا ريحا هابة. ولكن استولى العمى على البصائر ولا يعلم الإنسان ما إليه صائر، وأسأل الله هداية سبيله ورحمة تورد نسيم الفردوس وسلسبيله؛ إنه الحنان المنان لا رب سواه.

فلتات الهبات أشبه شيء بفلتات الشهوات. منها نافع لا يعقب ندما، ومنها ضار يبقي في النفس ألما. فضرر الهبة وقوعها عند من لا يعتقد لحقها أداء وربما أثرت عنده اعتداء. وضرر الشهوات أن لا توافق ابتداء فتصير لتبعها داء. مثلها كمثل المسكر يلتذ صاحبه بحلاوة جناه فإذا صحا عرف ما قد جناه. وعكس هذه القضية هي الحالة المرضية. (4-5) مولده

ببلنسية سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وقيل بشاطبة في هذا التاريخ. (4-6) وفاته

توفي بالإسكندرية ليلة الأربعاء التاسع والعشرين من شعبان سنة أربع عشرة وستمائة ، وكان أبو الحسين بن جبير المترجم به قد نال بالأدب دنيا عريضة، ثم رفضها وزهد فيها، «وقال صاحب الملتمس» في حقه: الفقيه الكاتب أبو الحسين بن جبير ممن لقيته وجالسته كثيرا ورويت عنه، وأصله من شاطبة، وكان أبو جعفر من كتابها ورؤسائها، ذكره ابن اليسع في تاريخه، ونشأ أبو الحسين على طريقة أبيه، وتولع بغرناطة فسكن بها. قال: ومما أنشدنيه قوله يخاطب أبا عمران الزاهد بإشبيلية:

أبا عمران قد خلفت قلبي

لديك وأنت أهل للوديعة

صحبت بك الزمان أخا وفاء

فها هو قد تنمر للقطيعة

قال: وكان من أهل المروءات، عاشقا في قضاء الحوائج، والسعي في حقوق الإخوان، والمبادرة لإيناس الغرباء، وفي ذلك يقول:

يحسب الناس بأني متعب

في الشفاعات وتكليف الورى

والذي يتبعهم من ذاك لي

راحة في غيرها لن أفكرا

وبودي لو أقضي العمر في

خدمة الطلاب حتى في الكرى

قال: ومن أبدع ما أنشده - رحمه الله - أول رحلته:

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣١٩