ولما توفي نور الدين زنكي نظمه صلاح الدين في سلك جماعته واستكتبه واعتمد عليه؛ فصار من الصدور المعدودين، وكان ملازما لصلاح الدين وله التآليف الكثيرة.
ولما مات السلطان صلاح الدين اختلت أحوال العماد الأصبهاني؛ فلزم بيته وأقبل على التأليف، وكانت ولادته سنة تسع عشرة وخمسمائة بأصبهان، وتوفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدمشق، وذكره صاحب شذرات الذهب في الصفحة 332 من الجزء الرابع، وترجمته في الشذرات لا تخرج عن مآل ترجمته في الوفيات، وذكر أنه تلاقى مع القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني وزير صلاح الدين فقال له العماد: سر فلا كبا بك الفرس. وهي جملة تقرأ طردا وعكسا. وكذلك ذكره الذهبي في تاريخه في من مات سنة سبع وتسعين وخمسمائة. ا.ه.
وقد نقلنا تراجم هؤلاء الأعيان من المشارقة الذين أخذ عنهم ابن جبير الأندلسي؛ نظرا لشهرتهم ولإجازاتهم لعلماء الأندلس. ونعود إلى نقل ما قاله لسان الدين بن الخطيب عن ابن جبير، وهو ما يأتي: (4-1) من أخذ عنه
قال ابن عبد الملك: أخذ عنه أبو إسحاق بن مهيب، وابن الواعظ، وأبو تمام بن إسماعيل، وأبو الحسن بن نصر بن فاتح بن عبد الله البجائي، وأبو الحسن علي الشادي، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو زكريا، وأبو بكر بن محمد يحيى بن أبي الغمر، وأبو عبد الله بن حسن بن مجير، وأبو العباس بن عبد المؤمن البناني، وأبو محمد بن الحسن اللواتي، وأبو محمد بن سالم، وعثمان بن سفيان بن أشقر التميمي التونسي.
وممن أخذ عنه بالإسكندرية رشيد الدين أبو محمد عبد الكريم بن عطاء الله، وبمصر رشيد الدين بن العطار، وفخر القضاة بن الجياب، وابنه جمال القضاة. (4-2) تصانيفه
منها نظمه؛ قال ابن عبد الملك: وقفت منه على مجلد على قدر ديوان أبي تمام حبيب بن أوس. وجزء سماه «نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح» في مراثي زوجه أم المجد. وجزء سماه «نظم الجمان في التشكي من إخوان الزمان»، وله ترسل بديع وحكم مستجادة وكتاب رحلته. وكان أبو الحسن الشادي يقول: إنها ليست من تصانيفه وإنما قيد معاني ما تضمنته فتولى ترتيبها وتنضيد معانيها بعض الآخذين عنه على ما تلقاه، والله أعلم. قلت: هذا غير صحيح؛ لأن نسجه معروف وأسلوبه العالي واحد لا تختلف فيه جملة عن جملة، وديباجة كلام ابن جبير لا تخفى على أحد. (4-3) شعره
من ذلك القصيدة الشهيرة التي نظمها وقد شارف المدينة المكرمة طيبة، على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
أقول: وآنست بالليل نارا
لعل سراج الهدى قد أنارا
وإلا فما بال أفق الدجى
كأن سنا البرق منه استنارا
ونحن من الليل في حندس
فما باله قد تجلى نهارا
وهذا النسيم شذا المسك قد
أعير أم المسك منه استعارا
وكانت رواحلنا تشتكي
وجاها فقد سبقتنا ابتدارا
وكنا شكونا عناء السرى
فعدنا نباري سراع المهارى
أظن النفوس قد استشعرت
بلوغ هوى تخذته شعارا
بشائر صبح السرى آذنت
فإن الحبيب تدانى مزارا
جرى ذكر طيبة ما بيننا
فلا قلب في الركب إلا وطارا
حنينا إلى أحمد المصطفى
وشوقا يهيج الضلوع استعارا
ولاح لنا أحد مشرقا
بنور من الشهداء استعار
فمن أجل ذلك ظل الدجى
يحل عقود النجوم انتشارا
ومن طرب الركب حث الخطى
إليها ونادى البدارا البدارا
ولما حللنا فناء الرسول
نزلنا بأكرم مجد جوارا
وحين دنونا لفرض السلام
قصرنا الخطى ولزمنا الوقارا
فما نرسل اللحظ إلا اختلاسا
وما نرجع الطرف إلا انكسارا
ولا نظهر اللفظ إلا اختلاسا
وما نرجع القول إلا سرارا
سوى أننا لم نطق أعينا
بأدمعها غلبتنا انفجارا
وقفنا بروضة دار السلام
نعيد السلام عليها مرارا
ولولا مهابته في النفوس
لثمنا الثرى والتزمنا الجدارا
قضينا بزورته حجنا
وبالعمرتين ختمنا اعتمارا
إليك إليك نبي الهدى
ركبت البحار وجبت القفارا
وفارقت أهلي ولا منة