تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تغترب عن وطن

واذكر تصاريف النوى

أما ترى الغصن إذا

ما فارق الأصل ذوى

وقال - رحمه الله - يخاطب الصدر الخجندي:

يا من حواه الدين في عصره

صدر يحل العلم منه الفؤاد

ماذا يرى سيدنا المرتضى

في زائر يخطب منه الوداد

لا يبتغي منه سوى أحرف

يعتدها أشرف ذخر يفاد

ترسمها أنمله مثلما

نمق زهر الروض كف المهاد

في رقعة كالصبح أهدى لها

يد المعالي مسك ليل المداد

إجازة يورثنيها العلي

جائزة تبقى وتفنى البلاد

يستصحب الشكر خديما لها

والشكر للأمجاد أسنى عتاد

فأجابه الصدر الخجندي:

لك الله من خاطب خلتي

ومن قابس يجتدي سقط زندي

أجزت له ما أجازوه لي

وما حدثوه وما صح عندي

وكاتب هذي السطور التي

تراهن عبد اللطيف الخجندي

قال صاحب النفح: ورافق ابن جبير في هذه الرحلة أبو جعفر أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن القضاعي، وأصله من أندة من عمل بلنسية، رحل معه فأديا الفريضة وسمعا بدمشق من أبي الطاهر الخشوعي، وأجاز لهما أبو محمد بن أبي عصرون، وأبو محمد القاسم بن عساكر وغيرهما، ودخلا بغداد وتجولا مدة، ثم قفلا جميعا إلى المغرب، فسمع من كل منهما بعض ما كان عنده، وكان أبو جعفر هذا متحققا بعلم الطب، وله فيه تقييد مفيد مع المشاركة الكاملة في فنون العلم.

توفي أبو جعفر هذا بمراكش سنة ثمان أو تسع وتسعين وخمسمائة، ولم يبلغ الخمسين في سنه. رجع إلى ابن جبير، قال لسان الدين بن الخطيب في حقه: إنه من علماء الأندلس بالفقه والحديث والمشاركة في الآداب، وله الرحلة المشهورة، واشتهرت في السلطان الناصر صلاح الدين بن أيوب له قصيدتان؛ إحداهما أولها:

أطلت على أفقك الزاهر

سعود من الفلك الدائر

ومنها:

رفعت مغارم مكس الحجاز

بإنعامك الشامل الغامر

وأمنت أكناف تلك البلاد

فهان السبيل على العابر

وسحب أياديك فياضة

على وارد وعلى صادر

فكم لك بالشرق من حامد

وكم لك بالغرب من شاكر

والأخرى منها في الشكوى من ابن شكر الذي كان أخذ المكس من الناس في الحجاز:

وما نال الحجاز بكم صلاحا

وقد نالته مصر والشآم

قلت: حيث ذكر المقري في النفح شيئا عن ابن جبير نقلا عن لسان الدين بن الخطيب، فقد رأيت الأولى أن أنقل كلامه عنه من كتابه «الإحاطة في أخبار غرناطة»، قال: محمد بن أحمد بن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن عبد السلام الكناني الواصل إلى الأندلس، دخل جده عبد السلام الأندلس في طالعة بلج بن بشر بن عياض القشيري في محرم سنة ثلاث وعشرين ومائة، وهو من ولد حمزة بن كنانة بن بكر بن عبد بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بلنسي الأصل، ثم غرناطي الاستئصال، شرق وغرب وعاد إلى غرناطة، كان أديبا شاعرا مجيدا، سنيا فاضلا، نزيه الهمة سري النفس، كريم الأخلاق، أنيق الطريقة، كتب بسبتة عن أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن، وبغرناطة عن غيره من ذوي قرابته، وله فيهم أمداح كثيرة، ثم نزع عن ذلك وتوجه إلى المشرق، وجرت بينه وبين طائفة من أدباء عصره مخاطبات ظهرت فيها براعته وإجادته، ونظمه فائق ونثره بديع، وكلامه المرسل سهل حسن، وأغراضه جليلة، ومحاسنه ضخمة، وذكره شهير، ورحلته نسيجة وحدها طارت كل مطار، رحمه الله .

قال من عني بخبره: رحل ثلاثا من الأندلس إلى الشرق، وحج في كل واحدة منها، فصل عن غرناطة أول ساعة من يوم الخميس لثمان خلون من شوال، سنة ثمان وسبعين وخمسمائة صحبة أبي جعفر بن حسان، ثم عاد إلى وطنه غرناطة لثمان بقين من محرم عام أحد وثمانين، ولقي أقواما يأتي التعريف بهم في مشيخته، وصنف الرحلة المشهورة، وذكر ما نقله فيها وما شاهده من عجائب البلدان وغرائب المشاهد وبدائع الصنائع، وهو كتاب مؤنس ممتع مثير سواكن الأنفس إلى تلك المعالم.

ولما شاع الخبر المبهج بفتح المقدس على يد السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي قوي عزمه على إعمال الرحلة الثانية، فتحرك إليها من غرناطة يوم الخميس لتسع خلون من ربيع الأول سنة خمس وثمانين وخمسمائة، ثم آب إلى غرناطة يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من شعبان سنة سبع وثمانين، وسكن بغرناطة، ثم بمالقة، ثم بسبتة، ثم بفاس، منقطعا إلى إسماع الحديث والتصوف وتروية ما عنده، وفضله بديع وورعه يحقق أعماله الصالحة. ثم رحل الثالثة من سبتة بعد موت زوجه عاتكة أم المجد بنت الوزير أبي جعفر الوقشي، وكان كلفه بها جما فعظم وجده عليها، فوصل مكة وجاور بها طويلا ثم ببيت المقدس، ثم تحول لمصر والإسكندرية، فأقام يحدث ويؤخذ عنه إلى أن لحق بربه.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣١٦