قال ابن الأبار: ولم يحظ بعلومه حظوة غيره، وامتحن بالولاة والقضاة، وكانوا يجدون السبيل إليه بفضل دعابة كانت فيه مع غلبة السلامة عليه في إعلانه وإسراره، واستغراق آناء ليله في تلاوة القرآن وأطراف نهاره، وكان على سعة علمه مزجى البضاعة في نظمه، وكان نثره أصلح منه، وأنشدني ابنه أبو الحسن محمد غير مرة قال: أنشدني أبي لنفسه:
كأن يقيننا بالموت شك
وما عقل من الشهوات يذكو
أرى الشهوات غالبة علينا
وعند المتقين لهن فتك
وهكذا كان ينشدنا غير مرتاب، ولم أزل في ذلك معولا على ضبطه حتى أفادني بعض أصحابنا في تونس - في أول سنة 645 أو قبلها بيسير - قطعة نسبها إلى ابن المعتز، وأولها:
كأن يقيننا بالموت شك
ولا عقل مع الشهوات يذكو
لهونا والحوادث دائبات
لهن بمن قصدن إليه فتك
وفي الأحداث من أهل الملاهي
رهائن لا تعاد ولا تفك
وللدنيا عدات بالتمني
وكل عداتها كذب وإفك
ويشبه أن يكون أبو الحسن سمع أباه - رحمه الله - يتمثل بهذين البيتين فحسبهما من قوله ونسبهما إليه. وبالجملة فلم يكن لشيخنا في باب المنثور والمنظوم ما يناسب براعته في أفانين العلوم، أقرأ القرآن، وأسمع الحديث، ودرس الفقه، وعلم بالعربية والآداب، وأخذ الناس عنه ورحلوا إليه، وسمع منه جلة من شيوخنا وأصحابنا، وطال عمره حتى أخذ عنه الآباء والأبناء. تلوت عليه القرآن بالسبع، وأجاز لي، وسمعت منه بعد والدي - رحمه الله - ومعه، وهو أغزر من لقيت علما وأبعدهم صيتا، ولد أول وقت الظهر من يوم السبت الثاني من جمادى الآخرة سنة 530، قرأت ذلك بخط أبيه أيوب - رحمه الله - وتوفي في أول وقت الظهر أيضا من يوم الاثنين لست مضين من شوال سنة 608، ودفن يوم الثلاثاء بعده لصلاة العصر بمقبرة باب الخنش وهو ابن ثمان وسبعين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام، وصلى عليه أبو الحسن بن خيرة، وهو تولى غسله في جماعة من أصحابه الجلة، وشهدت الخاصة والعامة جنازته وأتبعوه ثناء حسنا، ورثي بمراث كثيرة - رحمه الله - عن ابن الأبار بتصرف. وأبو عبد الله محمد بن محمد بن سليمان بن محمد بن عبد العزيز الأنصاري النحوي من أهل بلنسية، وأصله من سرقسطة، يعرف بالنسبة إلى ابن أبي البقاء خاله، سمع من أبي العطاء بن نذير، وأبي بكر بن أبي جمرة، وأبي عبد الله بن نسع، وأبي عبد الله بن نوح، وأبي الخطاب بن واجب وغيرهم، وأجاز له أبو محمد بن الفرس، وأبو ذر الخشني، وأبو الحسين بن جبير وغيرهم، وكتب إليه من أعيان أهل المشرق أبو محمد بن يونس بن يحيى الهاشمي، وأبو عبد الله بن أبي الصيف، وأبو شجاع زاهر بن رستم، وأبو الحسن بن المفضل وغيرهم، وكان يحدث عن أبي مروان بن قزمان، وعن أبي طاهر الخشوعي بإجازته لأهل الأندلس، وفي شيوخه كثرة، وكان شديد العناية بالسماع والرواية مع الحظ الوافر من المعرفة والدراية، يتحقق بعلم اللسان، ويتقدم في العربية، بصيرا بصناعة الحديث، معانيا للتقييد مع حسن الخط وجودة الضبط، وكتب بخطه علما جما، وربما تعيش من الوراقة لإقلاله.
قال ابن الأبار: نقلت من خطه ما نسبته إليه في هذا الكتاب، وأجاز لي بلفظه، وسمعت منه بعض نظمه، وكان شاعرا مجودا حسن التصرف، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة 610، ودفن بمقبرة باب بيطالة، ومولده في صفر سنة 563. انتهى بتصرف.
ومحمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن مفرج بن سهل الأنصاري من أهل بلنسية، يعرف بابن غطوس، ويكنى أبا عبد الله، كان يكتب المصاحف وينقطها، وانفرد في وقته بالإمامة في ذلك، ويقال: إنه كتب ألف نسخة من كتاب الله - عز وجل - ولم يزل الملوك فمن دونهم يتنافسون فيها إلى اليوم، وكان قد آلى على نفسه أن لا يخط حرفا من غيره ولا يخلط به سواه تقربا إلى الله وتنزيها لتنزيله، فما حنث فيما أعلم، وأقام على ذلك حياته كلها خالفا أباه وأخاه في هذه الصناعة التي اشتهروا بها، وكان فيها آية من آيات خالقه مع الخير والصلاح والانقباض عن الناس والعزوف عنهم، قال ابن الأبار: رأيته على هذه الصفة، واستفدت منه بعضا من مرسوم الخط، لقيته عند معلمي أبي حامد، وتغلب عليه الغفلة، وتوفي حول سنة 610.