تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخذ «أمير المسلمين» في المصدر إلى العدوة، وقد كان أنفذ جملة من جيشه إلى «كنكة»،

34

وقدم عليه (؟عليها) محمد بن عائشة فالتقوا مع البرهانس - لعنه الله - فانهزم أمامهم، واستأصلوا محلته، وانصرفوا فرحين وبالظفر مستبشرين. ثم نهض إلى ناحية جزيرة شقر للقاء العدو، وذكر له أنه يؤمها ويقصدها، فالتقوا بجملة من جند القنبيطور فأوقع بهم وقتلهم شر قتلة، ولم يفلت إلا اليسير من تلك الحملة، فلما وصل الفل إليه مات غمة، لا رحمه الله.

وفي سنة 494 جاز الأمير مزدلي في جيش عرمرم وقصد بلنسية منازلا ومحاصرا لها، فأقام عليها سبعة أشهر، فلما رأى الفنش ما حل برجاله من ألم الحصار وأهواله وصل بمحلته الذميمة إليها، وأخرج جميع من كان من الروم لديها، وأضرمها نارا وتركها آية واعتبارا. ا.ه.

قد أطلنا في ذكر هذه الوقائع التاريخية التي من حقها أن توضع في القسم التاريخي من هذا الكتاب؛ وذلك نظرا لكثرة ورود ذكر القنبيطور في الكلام على بلنسية التي نحن في صددها، وبديهي أن ما جاء في القسم الجغرافي من كتابنا هذا من الأخبار لا يعاد في القسم التاريخي منه، وإن أعيد منه شيء فيكون على وجه التلخيص. أما القنبيطور فلم نستوف هنا كل الكلام عليه، وسيكون له دور ثان عند الوصول إلى التاريخ. (4) ذكر من نبغ في بلنسية من أهل العلم

منهم محمد بن أبي الأسود البلنسي، فقيه محدث، سمع من فضل بن سلمة، ذكره أبو الوليد الفرضي، نقل ذلك ابن عميرة في بغية الملتمس. ومحمد بن جعفر بن أحمد بن حميد أبو عبد الله قاضي بلنسية مقرئ، نحوي، أديب، متقدم، فاضل، أقرأ القرآن والعربية بمرسية مدة. روى عن جماعة منهم أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح، وأبو بكر بن مسعود بن أبي عتبة. وروى عنه بعضهم أيام كونه ببلنسية أنه قال له: لوددت أن أمير المؤمنين كلفني شرح كتاب سيبويه؛ حتى أخلف في تفسيره شرحا يقطع أوراق الأستاذين ولا يحتاج معه إلى معلم. فقيل له: ولم لا تفعل أنت ذلك؟ فقال: لا يمكنني ذلك بسبب الشغل، ولا يمكنني أن أجرد لذلك وقتا، ولو دخلت تحت الأمر كنت أعذر في تجردي وانفرادي.

توفي - رحمه الله - سنة 586 بمرسية، ودفن بإزاء صاحبه القاضي أبي القاسم ببقيع مسجد الجرف: نقل ذلك ابن عميرة وقال: وهو أول من قرأت عليه وسني دون العشر. ومحمد بن جعفر بن شروية أبو عامر الخطيب ببلنسية، فقيه فاضل محدث، ذكره ابن عميرة أيضا، وكانت وفاته سنة 541.

وعبد الرحمن بن طاهر الذي كان أمير مرسية، ثم فقد إمارته على مرسية وتحول إلى بلنسية. قال ابن بسام في كتابه «الذخيرة»: ومد لأبي عبد الرحمن بن طاهر هذا في البقاء حتى تجاوز مصارع جماعة الرؤساء، وشهد محنة المسلمين ببلنسية على يدي الطاغية الكنبيطور - قصمه الله - وجعل بذلك الثغر في قبضة الأسر سنة 488، وتوفي أبو عبد الرحمن المذكور ببلنسية، وصلي عليه بقبلة المسجد الجامع منها إثر صلاة العصر من يوم الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة 508، ثم سير به إلى مرسية ودفن بها قد نيف على الثمانين، وعلى مكانه من البراعة والبلاغة في الرسائل فلم أقف له على شعر سوى قوله في مقتل القاتل يحيى بن إسماعيل بن المأمون يحيى بن ذي النون على يدي أبي أحمد جعفر بن عبد الله بن جحاف المعافري عند انتزائه ببلنسية وانتقاله من خطة القضاء إلى الرئاسة، وكان أخيف:

أيها الأخيف مهلا ... ... ... ... ... (الأبيات).

فقضى الله أن تسلط عليه الطاغية الكنبيطور بعد أن أمنه في نفسه وماله عند دخوله بلنسية صلحا، وتركه على القضاء نحوا من عام، ثم اعتقله وأهل بيته وقرابته، وجعل يطلبهم بمال القادر بن ذي النون، ولم يزل يستخرج ما عندهم بالضرب والإهانة وغليظ العذاب، ثم أمر بإضرام نار عظيمة كانت تلفح الوجوه على مسافة بعيدة، وجيء بالقاضي أبي أحمد يوسف في قيوده وأهله وبنوه حوله، فأمر بإحراقهم جميعا؛ فضج المسلمون والروم، وقد اجتمعوا لذلك ورغبوا في ترك الأطفال والعيال؛ فأسعفهم بعد جهد شديد، واحتفر للقاضي حفرة وذلك بولجة

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٣٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٣٠٢