فلما تحقق عند النصارى أنه قد جاز، وقطع البحر وفاز، اتفقوا على تدويخ شرق الأندلس، وشن الغارات على سرقسطة وجهاتها، وتمادوا إلى بلنسية ودانية وشاطبة ومرسية وذواتها؛ فانتسفوها نسفا، وتركوها قاعا صفصفا، وأخذوا حصن «مره
26
وايط» وغيرها، فساء حال المشرق، وحسن المغرب بمن كان فيه من المرابطين، وخرج الحاجب منذر بن أحمد بن هود من لاردة، ونزل على بلنسية وحصرها طامعا في أخذها من يد القادر، فلما سمع به ابن أخيه المستعين استنصر بالقنبيطور - لعنه الله - وخرج معه في أربعمائة فارس والقنبيطور في ثلاثة آلاف، وغزا معه بنفسه حرصا منه على ملك بلنسية على أن للقنبيطور أموالها وللمستعين جفنها،
27
فلما سمع بمجيئه عمه الحاجب رحل عنها، ولم يحل بطائل منها، فلم يزل محاصرا لها حتى حصلها. وفي هذه السنة - وهي سنة 481 - كان السيل الأعظم في صدمة أكتوبر الذي خرب بلنسية وغيرها، وهدم برج القنطرة.
ثم إن الفنش خف روعه وانتعشت نفسه؛ فحشد وجمع واستعد، وخرج قاصدا لمنازلة بلنسية ومحاصرتها بعد أن كتب إلى أهل جنوة وفيشة
28
أن يأتوه في البحر، فوصلوا إليه في نحو أربعمائة قلاع، فاستحكم طمعه فيها وفي جميع سواحل الجزيرة؛ فارتاع له كل من في السواحل، ثم إن الله تعالى خالف بين كلمتهم وأذن بتفرقهم؛ فأصبح وهو راحل، ولم يحصل على طائل، ولما نزل الفنش على بلنسية غضب القنبيطور واحتد، وجمع وحشد؛ لأنه كان يعدها له طاعة والقادر بها عامله؛ إذ لا قدرة له على الدفاع ولا استطاعة؛ فخالفه إلى قشتالة، فحرق وهدم، فكان ذلك أقوى الأسباب في افتراق ذلك الجمع عن بلنسية، وانصرف الفنش إلى قشتالة مسرعا والقنبيطور قد ولى راجعا، ونزل أسطول جنوة وغيرها على طرطوشة، وجاءهم ابن ردمير وصاحب برشلونة فثبتها الله ودفع عنها، وانصرف جميعهم خائبا منها، فكر القنبيطور إلى بلنسية، واتفق معهم على مائة ألف مثقال جزية في كل عام.
وفي هذا العام استحكم طمع أصناف النصارى على الجزيرة، فضيق غرسية
29
على المرية وألفانه
30
على لورقة، وحاصر البرهانس
31
مرسية، والقنبيطور شاطبة.
وبنى أسقف إفرنجي في ضفة البحر حصن «ششنة»،
32
فحميت عند ذلك نفوس من بإشبيلية من المرابطين، وتقدم عليهم القائد محمد بن عائشة وقصد بهم مرسية، والتقى بهم مع جملة من النصارى، فهزموهم وقتلوا منهم وأسروا جماعة، وخلع صاحب مرسية، وتمادى إلى دانية ففر صاحبها ابن مجاهد في البحر وآوى إلى الدولة الحمادية.
ودخل ابن عائشة دانية فوافاه بها ابن جحاف - قاضي بلنسية - وسأله النهوض إليها معه، فلم يمكنه أن يفارق موضعه؛ فأنفذ معه عسكرا، وقدم عليه قائده أبا ناصر؛ فوصلا إليها وقصدا القادر وقتلاه، وذلك سنة 485.
فلما انتهى ذلك إلى القنبيطور وهو محاصر لسرقسطة غاظه، وحميت نفسه، وزال عنه أنسه؛ لأنها كانت - بزعمه - طاعته؛ لأن القادر كان يعطيه منها مائة ألف دينار في العام جزية؛ فرحل عن سرقسطة، فنزل على بلنسية، وحاصرها مدة من عشرين شهرا إلى أن دخلها قهرا بعد أن لقي أهلها في تلك المدة ما لم يلقه بشر من الجوع والشدة إلى أن وصل عندهم فأر دينارا،
33
وكان دخوله إياها سنة 487، وفي هذه المدة انقطع إلى القنبيطور وغيره من أشرار المسلمين وأرذالهم وفجارهم وفساقهم وممن يعمل بأعمالهم خلق كثير، وتسموا بالدوائر فكانوا يشنون على المسلمين الغارات ويكشفون الحرمات، يقتلون الرجال ويسلبون النساء والأطفال، وكثير منهم ارتد عن الإسلام، ونبذ شريعة النبي
صلى الله عليه وسلم
إلى أن انتهى بيعهم للمسلم الأسير بخبزة وقدح خمر ورطل حوت، ومن لم يفد نفسه قطع لسانه وفقئت أجفانه وسلطت عليه الكلاب الضارية؛ فأخذته أخذة رابية، وتعلقت منهم طائفة بالبرهانس - لعنه الله ولعنهم - فكانت تقطع ذكور الرجال وفروج النساء، ورجعوا له من جملة الخدمة والعمال، وفتنوا فتنة عظيمة في أديانهم وسلبوا جملة إيمانهم.