المنبوز بالفم المعوج ورئيس الإفرنج وابن ردمير، ففل حد جنودهم، وقتل بعدده اليسير كثير عديدهم، وكان - زعموا - تدرس بين يديه الكتب، وتقرأ عليه سير العرب، فإذا انتهى إلى أخبار المهلب استخفه الطرب، وطفق يعجب منها ويتعجب. وفي بلنسية يومئذ يقول أبو إسحاق بن خفاجة:
عاثت بساحتك الظبى يا دار
ومحا محاسنك البلا والنار
فإذا تردد في جنابك ناظر
طال اعتبار فيك واستعبار
إلى آخر الأبيات وقد تقدمت.
وتجرد أمير المسلمين - رحمه الله - لما بلغه هذا النبأ العظيم واتصل به هذا الرزء الشنيع، وكان قذى أجفانه وجماع شأنه وشغل يده ولسانه يسرب إليها الرجال وينصب عليها الحبائل والحبال، والحرب هنالك سجال، والحال بين العدو وبين عساكر أمير المسلمين إدبار وإقبال، حتى رحض عارها وغسل شنارها ، وكان آخر أمراء أجناده المجهزين إليها في جماهر إعداده الأمير أبو محمد مزدلي ظبة حسامه، وسلك نظامه؛ ففتحها الله عليه، وأذن في تخلصها على يديه في شهر رمضان سنة 95، كتب الله منزله في عليين، وجزاه عن جده وجهاده أفضل جزاء المحسنين.
وفي ذلك التاريخ كتب أبو عبد الرحمن بن طاهر إلى الوزير أبي عبد الله بن عبد العزيز رقعة يقول فيها: كتبت منتصف الشهر المباع، وقد وافى بدخول بلنسية جبرها الله بالفتح بعدما خامرها القبح فأضرم أكثرها نارا، وتركها آية للسائلين واعتبارا، وتغشاها سوادا كما لبست به حدادا، فهي تنظر من طرف خفي وتتنفس عن قلب يتقلب على جمر ذكي، غير أنه بقي لها جسمها الأنعم وتربها الأكوم الذي هو كالمسك الأذفر والذهب الأحمر، وحدائقها الغلب ونهرها العذب، وبسعد أمير المسلمين وإقباله عليها ينجلي ظلامها ويعود عليها حليها ونظامها، وتروح في الحلل، وتبرز كالشمس في بيت الحمل، فالحمد لله مالك الملك مطهرها من الشرك، وفي عودتها إلى الإسلام عز وعزاء عما نفذ به قدر وقضاء. انتهى.
وكتب يومئذ إلى الوزير الفقيه ابن جحاف يعزيه بابن عمه أبي أحمد المحرق المتقدم الذكر: مثلك - وقاك الله المحاذير - في وفور الدين، وصحة اليقين، وسلامة الضمير، وعدم النظير، وقوة الرجحان، ومعرفة الزمان، أعطى الحوادث صبرا، وردها على أعقابها صغرا؛ فلم يخضع لصولتها، ولم يحفل بسورتها، ودرى أنها الأيام والغير والحمام والقدر، ودارت الخطوب - عصمك الله من إلمامها وحماك من اخترامها - بمصرع الفقيه القاضي أبي أحمد - عفا الله عنه - ومهلكه وانحطاطه من فلكه، فانقضت لعمري نجوم المجد بانقضاضه، وبكت سماء الفضل على تداعيه وانفضاضه؛ فإنه كان من جمال المذاهب والغوث عند النوائب، بحيث يكون الغيث في قيظ المحل، والحلب عند انقطاع الرسل
22
بعيدا عن القسوة، صفوحا عن الهفوة، عطوفا على الجيران، عزيزا على الإخوان، يستهوي القلوب ببشره ويتملك الأحرار ببره. وإن الدنيا بعده لفي حداد لما أقصدته يد
23
زناد قائما بأعبائها مبيرا لأعدائها، فهي تبكيه بأربعة سجام، وتندبه في كل مقام، ويا أسرع ما سلبته المنون وقد قرت به منكم العيون، وطوقكم طوق الفخار، وأناف بقدركم على الأقدار، فإنا لله وإنا إليه راجعون على أليم المصاب، وعند الله نحتسبه كريم الأصل والنصاب، وطودا منيعا، ومرمى رفيعا، وقد تساوينا في الرزية؛ فلنعدل إلى التسلية؛ فذلك أوفر ذخرا وأعظم أجرا.
قال أبو الحسن: وأبو عبد الرحمن أكثر إحسانا، وأوضح خبرا وعيانا من أن يحاط بأخباره أو يعبر عن جلالة مقداره، وقد استوفيت معظم كلامه في كتاب مفرد ترجمته بسلك الجواهر في ترسيل ابن طاهر، وهو اليوم ببلنسية سالم ينطق وحي يرزق، وقد نيف
24
عن الثمانين، وما أحوجه سمعه إلى ترجمان، بل هو حتى الآن يهب للطروس من ألفاظه ما يفضح العقود الدرية، وتعسعس
25
معه الليالي البدرية، وفيها أوردنا كفاية من الذي يمكنه النهاية. (3-2) تتمة خبر أمير المسلمين ووقائع بلنسية