تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

ودفع إلى النظر في أمور سلطانية لم يتقدم قبل في غوامض حقائقها، وإلى ركوب أساليب سياسية لم يكن له عهد باقتحام مضايقها ولا بالدخول في ضنك مآزقها، ولم يعلم أن تدبير الأقاليم غير تلقين الخصوم، وأن عقد ألوية البنود غير الترجيح بين العقود وانتخال الشهود، وشغل بما كان احتجن من بقية ذخائر ابن ذي النون، وأنسته عن استجلاب الرجال والنظر في شيء من الأعمال، وانفضت عنه تلك الجملة اليسيرة المرابطية التي كان تعلق بسببها وموه على الناس بها لضيق المذاهب وغلظة ذلك العدو المصاقب، وقوي طمع لذريق في ملك بلنسية؛ فلازمها ملازمة الغريم، وتلذذ بها تلذذ العشاق بالرسوم؛ ينتسف أقواتها، ويقتل حماتها، ويسوق إليها كل منية، ويطلع عليها من كل ثنية.

فرب ذروة عز قد طالما بلدت الأماني والنفوس دونها، ويئست الأقمار والشموس من أن تكونها، قد ورد ذلك الطاغية يومئذ معينها، وأذال مصونها، ورب وجه كانت تدميه الذر، وتحسده الشمس والبدر، ويتغاير عليه المرجان والدر، قد أصبح ذرية لزجاجه،

19

نعلا لأقدام أراذل أعلاجه، وبلغ الجهد بأهلها والامتحان أن أحلوا محرم الحيوان، وأبو أحمد المذكور في أنشوطة ما سهل وسنى، وشرك ما جر على نفسه وجنى، يستصرخ أمير المسلمين على بعد داره وتراخي مزاره، فتارة يسمعه ويحركه وتارة ينقطع دونه ولا يدركه، وقد كان من أمير المسلمين بموضع ومن رأيه الجميل بمرأى ومسمع، ولكن أبطأ عنه نصره بنأي الدار ونفوذ المقدار، وإذا قدر الله أمرا فتح أبوابه ويسر أسبابه، وتم للطاغية لذريق مراده الذميم من دخول بلنسية سنة 88 على وجه من وجوه غدره، وبعد إذعان من القاضي المذكور لسطوة كبره، ودخوله طائعا في أمره على وسائل اتخذها وعهود ومواثيق بزعمه أخذها، لم يمتد لها أحد ولا كثر لأيامها عدد، وبقي معه مديدة يضجر من صحبته ويلتمس السبيل إلى نكبته حتى أمكنته - زعموا - بسبب ذخيرة نفيسة من ذخائر ابن ذي النون، وكان لذريق لأول دخوله قد سأله عنها واستحلفه بمحضر جماعة من أهل الملتين على البراءة منها، فأقسم بالله جهد أيمانه غافلا عما في الغيب من بلائه وامتحانه، وجعل لذريق بينه وبين القاضي المذكور عهدا أحضره الطائفتين، وأشهد عليه أعلام الملتين إن هو انتهى بعد إليها وعثر عنده عليها؛ ليستحلن إخفار ذممه وسفك دمه.

فلم ينشب لذريق أن ظهر على الذخيرة المذكورة لديه؛ لما كان حم من إجراء محنته على يديه، ولعلها كانت منه حيلة أدارها وداهية من دواهيه سداها وأنارها، فأنحى على أمواله بالنهاب، وعليه وعلى أهله بأنواع العذاب، حتى بلغ جهده ويئس مما عنده، فأضرم له نارا أتلفت ذماءه وحرقت أشلاءه.

حدثني من رآه في ذلك المقام وقد حفر له حفير إلى رفغيه، وأضرمت النار حواليه، وهو يضم ما بعد من الحطب بيديه،

20

ليكون أسرع لذهابه وأقصر لمدة عذابه، كتبها الله له في صحيفة حسناته، ومحا بها سالف سيئاته، وكفانا بعد أليم نقماته ويسرنا إلى ما يزلف إلى مرضاته.

وهم يومئذ الطاغية - لعنه الله - بتحريق زوجته وبناته، فكلمه فيهن بعض طغاته، فبعد لأي ما لفته عن رأيه، وتخلصن من يدي نكدائه، وأضرم هذا المصاب الجليل أقطار الجزيرة يومئذ نارا، وجلل سائر طبقاتها حزنا وعارا، وغلظ أمر ذلك الطاغية حتى فدح التهائم والنجود وأخاف القريب والبعيد.

حدثني من سمعه يقول وقد قوي طمعه ولج به جشعه: على رذريق فتحت هذه الجزيرة ورذريق يستنقذها. كلمة ملأت الصدور وخيلت وقوع المخوف والمحذور، وكان هذا البائقة وقته في درب

21

شهامته، واجتماع حزامته، وتناهي صرامته، آية من آيات ربه إلى أن رماه سريعا بحتفه، وأماته ببلنسية حتف أنفه.

وكان لعنه الله منصور العلم مظفرا على طوائف العجم، لقي زعماءهم مرارا كغرسيه

Garcia

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٩٩