تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكل أمة من الأمم تدرس تواريخ البشر أجمع، إلا أنها تجعل تاريخ سلفها هو العلم المقدم، والدرس المقدس، والبغية التي يجب أن تتوجه إليها خواطر ناشئتها، والغاية التي يتعين أن تستحث نحوها ركاب نابهتها؛ لما في ذلك من وصل حديث بقديم، وربط آخر بأول، وإعادة فرع إلى أصل، ورد عجز على صدر. فإن كان الحاضر مماثلا للماضي، والطريف غير مختلف عن التليد، فمغزى التاريخ هو حفظ التسلسل ومنع التخلف، وحث الأخلاف على متابعة الأسلاف، وبناء المجد سافا من فوق ساف، فإن الأمم هي في تنازع بقاء لا يفتر، وتزاحم ورد لا يسكن، وكل منها يبغي أن يحفظ كيانه، ويوطد بنيانه، ويحمي حقيقته، ويخلد سجيته. بل يحاول أن يتقدم عما كان، وأن يطاول كل درجة إمكان. وإن كان الحالي مقصرا عن الخالي، وقد عادت البدور أهلة، وذهب المجد إلى أقله، وصارت الأوساط أطرافا، واستحالت الأثواب أطمارا، ولم يبق من تلك المعالي السوالف إلا أخبار وسير ومثلات، وذكر وحكايات، يعتبر بها من اعتبر، كان درس تاريخ السلف أحسن وسائل النشاط من العقال، وأفضل حوافز الاستباق إلى الكمال، ليقال للناشئ: هكذا كان آباؤك، فأين إباؤك؟ وها ما فعله أجدادك، فأين جهادك؟ وإذا كان هذا فري آبائك، فكيف ترضى أن تقصر عنهم، وإذا رضيت بأن تقصر عنهم، فقد يستبعد العقل أن تكون منهم. أيرضى أصحاب النفوس الأبية أن يقعدوا مع الخوالف، وقد كان أوائلهم من السابقين الأول؟ أو أن يكونوا تابعين، بعد أن كانوا متبوعين، وأن يسودهم من كان لهم من جملة الخول؟

فإذا كان علم التاريخ ضرورة من ضرورات البقاء، فضلا عن الارتقاء؛ وشرطا من شروط اللحاق، فضلا عن السباق؛ فأية أمة أجدر بمدارسته من هذه الأمة العربية ذات التاريخ الأمجد، والسنام الأقعس، والعرق الأنجب، واللسان الأذرب، والجهاد الذي شرق وغرب. أيام ملأت من الدهر مسمعيه، وضربت كل جبار في أخدعيه، وفرضت الذلة على جماجم الأكاسرة، وأطارت النعرة من معاطس القياصرة.

قوم ابتسلوا للموت نفوسهم، فرفعوا في الحياة رؤوسهم؛ يركبون من البر والبحر كل غارب، ويلتمسون بالجيش دار المحارب؛ أحمت أنوفهم حياة القفر، وأعزت نفوسهم الرمال العفر ؛ فكانت بلادهم عذارى تخلف ظن كل فاتح، وعقائل لا ينتهي إليها الطيف فضلا عن الطائف.

ثم لما جاءهم الإسلام بعزائم القرآن، وعزز ما فيهم من خيم كريم، وطبع سليم، بصلابة الإيمان؛ اندفقت سيولهم من منابعها، وخرجت سنابلهم من قنابعها؛ وملكوا ما بين الصين وبحر الظلمات في أقل من مائة عام، وأتوا من الأعمال ما لو حدثوا أنفسهم به من قبل لقيل إنه من الأحلام. على أنهم لم يلبثوا بعد ذلك العز الأمنع، والسناء الأصنع، أن انصاعوا انصياع الكواكب عند انكدارها، وأسرعوا إلى الهبوط سرعة المياه عند انحدارها. وذلك بتجردهم عما كان قد كساهم الإسلام من فضائل، وأهب فيهم القرآن من عزائم، وبسقوطهم في مثل ما كان قد سقط فيه أعداؤهم من الأعاجم، وبانغماسهم في الشهوات البدنية، وانصرافهم إلى السفسافات الزمنية، وولوعهم بالانتقاض على أمرائهم، واشتغال الأمراء بأغراضهم وأهوائهم، وتخلف العلماء عن تقويم منآدهم، وردعهم عن فسادهم. فمشى الفساد في جنباتهم، وطار الطيش بعذباتهم، وتنازعوا ففشلت ريحهم، وجاءت تباريحهم؛ وتنكروا؛ حتى لو عرضوا على السلف في أجداثهم لجهلوهم، وتغيروا، حتى لو نشر الآباء وتلاقوا بأبنائهم لأهملوهم؛ فجنوا من انقلاب أخلاقهم فقد خلاقهم، ونالوا من اعوجاج مسالكهم ضياع ممالكهم؛ وبعد أن كانت أنفتهم ملء العرانين، وحميتهم ملء الحيازيم، صاروا يرضون بكل حطة، ويسلكون من الهوان كل خطة، وهووا عن صهوات ذلك المجد العظيم، وأخرجوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم.

وكان من أنفس ما سددهم الله إلى فتحه، وقيض لهم بالجهاد الطويل وسائل ريحه، هذه الجزيرة الأندلسية الخضراء، الخطة العذراء، والدرة الدهماء، والبقعة الجامعة بين الشموس والأفياء، الرافلة في حلل موشية من حوك الأرض وطراز السماء، فأتوها من كل فرج، بين محتسب ومكتسب، وراغب في الدنيا وماهد للآخرة، وساموا ولايتها بالنفقات الوجيعة، والبطشات الذريعة؛ والنفوس السائلة أنهارا، والجماجم الطائرة أسرابا، والجيش يتلو الجيش، والبعث يردف البعث، ومازلوا يغاورونها بخيل لا تنحط لبودها، فوارس لا تفارقها زرودها، ويريغونها من بين أيديها ومن خلفها، وعن أيمانها وشمائلها، إلى أن ذللوا أعرافها، وألانوا أعطافها؛ فخيم الإسلام بعقرتها تخييم من أجمع الاعتمار، وسكن إليها سكنى من ألقى عصا التسيار، وأمدتهم جزيرة العرب بأفلاذ أكبادها، ورمت أعداءهم بأنجاد أجنادها؛ وكانوا لولا العصبية بين القيسية واليمنية، والخلاف على الخلافة بين الأموية والعباسية، وما أضيف إلى ذلك من ملاحم بين القبائل العربية والبربرية؛ قد ألحقوا بالأندلس جميع الأرض الكبيرة، وصارت لهم جوفي جبال البرانس أندلسات كثيرة؛ ولكن اشتغالهم بفتنهم الداخلية، وانهماكهم بمشاجراتهم العائلية، وبقاء ما بقي في طباعهم من حمية الجاهلية، واستبدالهم ملوك الطوائف، بجيوش الصوائف، وحركات الفساد، بحركات الجهاد، ورضاهم عن تحمل الهزائم، بدلا من تجريد العزائم؛ كل ذلك أعاد تقدمهم تأخرا، ورد تجمعهم تبعثرا، حتى صار عدوهم في الجزيرة قسيما لهم مشاركا، خليطا معهم مشابكا؛ وكان هو لم يبق له من البلاد إلا الجبال والصخور، ولم يملك إلا ما تركه له العرب من مسارح الغزلان وأوكار النسور؛ وكانوا هم رتعوا في كل روض نضير، وملك كبير، ومالوا إلى طعام أنيق وفراش وثير، وجرروا من التيه مطارف سندس وحرير، وأغرتهم السعة بالدعة، وأفضى بهم الرخاء إلى الارتخاء، وأورثهم رفاهية العيش قلة الانتخاء. وشتان بين من ألف الترف ومال إلى الهوى، وبين من لزم الشظف وطوى على الطوى. ولله در من قال عن وقعة بطرنة بقرب بلنسية، وقد محص فيها المسلمون:

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢