تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13

المعاقل وتبرأ منه المراحل، حتى استقر بقصبة قونكة عند أشياعه بني الفرج حسبما نشرحه في القسم الرابع، إن شاء الله، وهم كانوا ولاة أمره وأوعية عرفه ونكره، بهم أولا صدع وإليهم أخيرا نزع، وطفق يداخل ابن عبد العزيز بمعاذير يلفقها وأساطير ينمقها، وأعجاز من الباطل وصدور يجمعها ويفرقها، وابن عبد العزيز يومئذ يضحك قليلا ويبكي كثيرا ويظهر أمرا ويخفي أمورا، والفلك يدور وأمر الله ينجد ويغور، وورد الخبر بموت ابن عبد العزيز أثناء ذلك، واختلاف ابنيه بعده هنالك، فانسل ابن ذي النون إلى بلنسية انسلال القطا إلى الماء، وطلع عليها طلوع الرقيب على خلوات الأحباء، وانتهجت السبيل بين ملوك أفقنا وبين أمير المسلمين - رحمه الله - على ما قدمنا ذكره سنة 79، وصدم أذفنش الطاغية - قصمه الله - تلك الصدمة المتقدمة الذكر يوم الجمعة، فرجع - لعنه الله - وقد هيض جناحه، وركدت رياحه، وتنفس خناق يحيى بن ذي النون هذا، فتنسم روح البقاء، وتبلغ بما كان بقي له من ذماء، ودخل من معاقدة أمير المسلمين فيما دخل فيه معشر الرؤساء، ولم يزل إدبارهم على ما ذكرنا يستشري وعقاب بعضهم إلى بعض تدب وتسري، حتى أذن الله لأمير المسلمين

14

في إفساد سعيهم، وحسم أدواء بغيهم، والانتصار لكواف

15

المسلمين من فعلهم الذميم، ورأيهم الأثيم؛ فشرع في ذلك على ما قدمناه سنة 83؛ فجعلت البلاد عليه تنثال والمنابر باسمه تزدان وتختال، واستمر ينثر نجومهم ويطمس رسومهم باقي سنة 3 وسنة 4 بعدها، وفي ذلك يقول الأديب أبو تمام بن رياح:

كأن بلادهم كانت نساء

تطالبها الضرائر بالطلاق

وفي ذلك القول يقول أبو الحسين بن الجد، وأراه عرض بصاحب ميورقة بعد خلع بني عباد:

ألا قل للذي يرجو مناما

بعيد بين جنبك والفراش

أبو يعقوب من حدثت عنه

فرش سهم العداوة أو فراش

إذا رفش القضاء جبال رضوى

فكيف تراه يصنع بالفراش؟!

ولما أحس أحمد بن يوسف بن هود المنتزي إلى وقتنا هذا على ثغر سرقسطة بعساكر أمير المسلمين تقبل من كل حدب، وتطلع على أطرافه من كل مرقب آسد كلبا من أكلب الجلالقة يسمى برذريق، ويدعى بالكمبيطور، وكان عقالا وداء عضالا له في الجزيرة وقائع على طوائفها بضروب المكروه اطلاعات ومطالع، وكان بنو هود قديما هم الذين أخرجوه من الخمول مستظهرين به على بغيهم الطويل، وسعيهم المذموم المخذول، وسلطوه على أقطار الجزيرة يضع قدمه على صفحات أنجادها، ويركز علمه في أفلاذ أكبادها، حتى غلظ أمره وعم أقاصيها وأدانيها شره، ورأى هذا منهم حيث خاف وهي ملكه وأحس بانتثار سلكه أن يضعه بينه وبين سرعان عساكره أمير المسلمين، فوطأ له أكناف بلنسية، وجبا إليه المال، وأوطأ عقبه الرجال، فنزل بساحتها وقد اضطرب حبلها وتسرب أهلها؛ وذلك أن الفقيه أبا أحمد بن جحاف متولي القضاء بها يومئذ لما رأى عساكر المرابطين تترى، وأحس بهذا الطاغية لعنه الله من جهة أخرى، امتطى صهوة العقوق، وتمثل من فرص اللص ضجة السوق، وطمع في الرئاسة بخدع الفريقين، وذهل عن قصة الثعلب بين الوعلين؛ فاستجاش لأول تلك الوهلة لمة يسيرة من دعاة أمير المسلمين، فهجم بهم على ساحة ابن ذي النون الجافي على حين من غفلته وانفضاض من جملته، واستشراء من علته؛ حيث لم يكن له ناصر إلا الشكوى ولا هادل

16

إلا صدر العصا، فقتله - زعموا - بيد رجل من بني الحديدي طلب بذحل عما كان هو قتل من سلفه، وهدم من بيوت شرفه، في خبر سيأتي ذكره ويشرح بمشيئة الله في موضعه من هذا الكتاب أمره. وفي قتله لابن ذي النون يقول أبو عبد الرحمن بن طاهر:

أيها الأخيف

17

مهلا

فلقد جئت عويصا

إذ قتلت الملك يحيى

وتقمصت القميصا

رب يوم فيه تجزى

لم تجد عنه محيصا

ولما تم لأبي أحمد شأنه، واستقر به على زعمه سلطانه، وقع في هراش وتفرقت الظباء على خداش

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٩٨