تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونحن لسنا في حاجة إلى ترجمة الترجمة التي كتبها دوزي، وإنما ننقل كلام ابن بسام بنصه العربي. وقد ذكر دوزي أنه اطلع على نسخة ثانية من الجزء الثالث من ذخيرة ابن بسام اقتناها المسيو «غايانكوسن

Gayangos » الذي اشتراها من إفريقية، فبالمقابلة بين النسختين أمكنه تصحيح ما فيهما من أغلاط النساخ. وأما الكتاب الذي ورد في الذخيرة لابن طاهر مرسلا إلى ابن عم لابن جحاف، فيزيده تأييدا وروده في كتاب «قلائد العقيان» للفتح بن خاقان، ويقول دوزي أنه نقله بعد مقابلة ست نسخ بعضها ببعض. وهذا نص الكتاب: «وله من رقعة إلى ابن جحاف أيام ثورة ابن عمه ببلنسية»: قد ألبستني - أعزك الله - من برك ما لا أخلعه وحملتني من شكرك ما لا أضيعه، فأنا أستريح إليك استراحة المستنيم، وأصرف الذنب على الزمن المليم، وإن ابن عمك - مد الله بسطته - لما ثار ثورته التي ظن أنه قد بلغ بها السماك، وبذ معها الأفلاك، نظر إلي متخازرا متشاوسا، وتخيلني حاسدا أو منافسا، ولعن الله من حسده جمالها:

فلم تك تصلح إلا له

ولم يك يصلح إلا لها

ثم تورم علي أنف عزته، فرماني بضروب محنته، وفي كل ذلك أتجرعه على مضضه، وأتغافل لغرضه، وأطويه على بلله، وما انتصر بشيء سوى عمله، إلى أن رأى اليوم بسوء رأيه أن يزيد في تعسفه وبغيه، فاستقبلت من الأمر غريبا ما كنت أحسبه ولا بان إلي سببه، ولما جاءه رسولي مستفهما عبس وبسر، وأدبر واستكبر، فأمسكت محافظة للجانب وعملا على الواجب، لا أن هيبة أبي أحمد قبضتني ولا أن مبرته عندي اعترضتني، وأقسم بالله حلفة بر لو الأيام قذفت بكم إلي وأنا بمكاني لأوردتكم العذب من مناهلي، وحملت جميعكم على عاتقي وكاهلي، ولكن الله يعمر بكم أوطانكم، ويحمي من النوب مكانكم، ويحوط هذه السيادة الطالعة فيكم البانية لمعاليكم ... إلخ.

ثم قال ابن بسام: ومد لأبي عبد الرحمن بن طاهر هذا في البقاء حتى تجاوز مصارع جماعة الرؤساء، وشهد محنة المسلمين ببلنسية على يدي الطاغية الكمبيطور - قصمه الله - وجعل ذلك الثغر في قبضة الأسر سنة 448،

11

ومنها كتب رقعة إلى بعض إخوانه يقول فيها: كتبت منتصف صفر وقد حصلنا في قبضة الأسر بخطوب لم تجر في سالف الدهر، فلو رأيت قطر بلنسية - نظر الله إليه وعاد بنوره عليه - وما صنع الزمان به وبأهليه لكنت تندبه وتبكيه؛ فلقد عبث البلى برسومه وعفى على أقماره ونجومه، فلا تسأل عما في نفسي وعن نكدي ويأسي، وضممت الآن إلى الافتداء بعد مكابدة أهوال ذهبت بالذماء، وما أرجو غير صنع الله الذي عود وفضله الذي عهد، وساهمتك مساهمة الصفي؛ لما أعلم من وفائك وتهممك الحفي، مستمطرا من تلقائك دعوة إخلاص، على أنها عسى أن تكون سببا إلى فرج وخلاص بإذن الله، فهو - عز وجهه - يقبل الدعاء من داعيه، وما زال مكانك منة ترى البركة فيه. ا.ه. (3) ما قاله ابن بسام في وقائع السيد في بلنسية

قال أبو الحسن (أي ابن بسام): وإذ قد انتهى بنا القول إلى ذكر بلنسية فلا بد من الإعلان بمحنتها والإتيان بنبذ من أخبار فتنتها التي غرب شأوها في الإسلام، وتجاوز عفوها جهد الكروب العظام، وذكر الأسباب التي جرت جرائرها، وأدارت على المسلمين دوائرها، والإشارة باسم من سلك في طريقها ونهج، ودخل من أبواب عقوقها وحرج. (3-1) ذكر الخبر عن تغلب العدو عليها وعودة المسلمين إليها

قال أبو الحسن: ونذكر إن شاء الله في القسم الرابع نكتا وجوامع تؤدي إلى كيفية تغلب أذفنش طاغية طاغوت الجلالقة قصمها الله على مدينة طليطلة، واسطة الملك وأشمخ ذرى الملك بهذه الجزيرة، وأشرح الأسباب التي ملكته قيادها ووطأته مهادها حتى اقتعد صهوتها وتبحبح

12

ذروتها، وإن يحيى بن ذي النون المتلقب من الألقاب السلطانية بالقادر بالله كان الذي هيج أولا نارها وأجج أوارها، وكان عندما خلي بين أذفنش وبين طليطلة - جدد الله رسمها وأعاد إلى ديوان المسلمين اسمها - قد عاهده على أن يعيد له صعب بلنسية ذلولا وأن يمتعه بنصرتها وتملك حضرتها ولو قليلا، علما منه أنه أسير يديه وعيال عليه، فصارت تهره

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٩٧