قال ستانلي لانبول: «ونحن في عصر انتقاد مضطرون إلى طرح المفرح من أقاصيص مؤرخينا التي تليق بالأحداث، والسيد لم يستثن من الانتقاد، بل إن أحد المستشرقين الراسخين ألف عنه كتابا مستقلا قرر فيه أن السيد لم يكن ذلك البطل الذي ظن أنه كان، بل رجلا غدارا سفاكا نهابا فتاكا ناكث العهد ناقض الذمام. كذلك الأستاذ دوزي - مؤرخ إسبانية الجليل - ذهب إلى أن قصة السيد هذه اختراعية، وكتب عن السيد الحقيقي نقيض ما ورد في تلك الأقاصيص، إلى أن قال: وغير صحيح أنه كان حامي الدين؛ فإنه قاتل في مصاف المسلمين كما قاتل في مصاف النصارى، وذكر أنه استولى على بلنسية بسبب التحريك والفرقة بإعانة ملك سرقسطة ودخلها صلحا.» وهذا طبق ما ذكر مؤرخو العرب من أن الذي أنهضه هو يوسف بن أحمد بن هود صاحب سرقسطة.
وأما «لافاله» فيقول في شأنه: إنه هو بطل الإسبانيول المقدم حبيب الشعب الذي يحلونه بجميع فضائل الأبطال، ويتغنون بوقائعه في الأشعار والأزجال، فإذا شاء المؤرخ معرفة الحقيقة من الوهم أشكل عليه الأمر بما يعرض له من الاختلاط، فقد يقع أن المؤرخ لأجل الخروج من حيرته ينتهي إلى إنكار وجود المؤرخ عنه أصلا، كما أنكر «ماسدو» وجود السيد قمبدور، ولم يبلغ الشك من غيره درجة إنكار وجوده، بل أنكروا عليه المأثور من الفضائل، وتخيلوه زعيم أشقياء ورئيس عصابة شر، بعد أن جعلته القصص مثالا تاما للفضل والشهامة والنبل.
فأنت تجد أن السيد ككثير من الرجال الذين ولعت بذكرهم العامة منهم من جعله سيدا غطريفا (بالتشديد)، ومنهم من جعله سيدا عملسا (بالتخفيف). ومات السيد سنة 1099، وهي التي فتح الصليبيون فيها بيت المقدس. وبعد موته عادت بلنسية إلى الإسلام، وبقيت زمانا حتى استولى عليها جقوم كما ذكرنا سابقا، وحملت جثة السيد محنطة على جواده المشهور وبيده أحد سيفيه المسمى تيزونه، وقدم نعشه في الجمع كما كان هو مقدما في الحروب، ودفن في كنيسة ماربطرس دوكردنه، وماتت شيمانة امرأته بعده بسنتين، وبقيت رايته وسيوفه في ذلك الدير يحملها ملوك قشتالة في حروبهم تيمنا بالنصر، ورواية كورنيل المسماة بالسيد أشهر من «قفا نبك». انتهى .
فالقارئ يمكنه أن يقابل بين ما كتبناه في خلاصة تاريخ الأندلس من تسع وثلاثين سنة وبين ما نقلناه الآن - ولا نزال ننقله - عن علماء العرب والإفرنج، ولم يبلغ أحد في تمحيص قضية القنبيذور الملقب بالسيد ما بلغه العلامة شيخ المستشرقين دوزي الهولاندي، وسنأثر كثيرا مما قاله وما وصل إليه من الاستنتاج الدقيق بعد مقابلته الروايات بعضها ببعض، كما أننا سنذكر الآن كلام ابن بسام الذي كان عليه أكثر اعتماد دوزي في نقض ما نقضه من مزاعم الإسبانيول المتعلقة بمعالي أخلاق السيد. ولقد كان دوزي وقف على نسخة من «ذخيرة» ابن بسام، وذلك في أثناء وجوده بلدة غوتة
Gotha
صيف سنة 1844؛ إذ عثر على مخطوط عربي رقمه 266 عليه عنوان يفيد أنه قسم من نفح الطيب للمقري، فلما تصفح هذا المخطوط علم أن هذا العنوان خطأ، وأن المخطوط هو القسم الأول من الجزء الثالث من «الذخيرة» لابن بسام، وهي كتاب تراجم للأدباء الذين نبغوا في الأندلس في القرن الخامس للهجرة؛ قال دوزي: فما تناولت الكتاب ومضيت في قراءته إلا وجدت قطعة مهمة وافية تتعلق بالقنبيذور يعلم أهميتها من عرف أن ابن بسام قد كتب هذا الكتاب في إشبيلية سنة 503 للهجرة أو 1109 للمسيح؛ أي بعد موت السيد بعشر سنوات لا زيادة، فهذا التاريخ للسيد هو أقدم تاريخ وجد في الأيدي، وهو أقدم باثنتين وثلاثين سنة من السيرة اللاتينية التي كتبت على السيد في جنوبي فرنسة، كما أنه يزيد في قيمة كتابة ابن بسام استشهاده بشاهد عرف السيد معرفة شخصية.
وهذه القطعة من سيرة السيد واقعة في فصل يدور على ابن طاهر أمير مرسية المخلوع، الذي بعد أن فقد إمارته على مرسية جاء فتوطن بلنسية. وسأجتهد في ترجمة هذا المبحث كله برغم ما تخلله من العبارات الشعرية التي تصعب ترجمتها بلغة عصرية، وسأبلغ في ذلك الجهد ما أمكن؛ لأني واقع بين المحافظة على النص الأصلي بالعربي من جهة وبين المحافظة على أساليب اللغة الإفرنسية من جهة أخرى. انتهى.