وذهب غير واحد من المؤرخين الأوروبيين إلى غير ذلك، ومنهم ستانلي لانبول الإنكليزي، وزعموا أن مسألة فضائل السيد من وضع قصاصي الإسبانيول، وهاك بعض ما يقوله المؤرخ المذكور مما يرتبط بهذا المقام وهو:
إن من الغلط البين والخطأ المتعين أن يظن أن مقاتلة قشتالة وليون كانوا على ما يرام تخييله من الشهامة والشرف وآداب الفروسية، وأن يتصور أنهم على شيء من دماثة الأخلاق والتهذيب. والصحيح أن مسيحيي الجهة الشمالية كانوا على نقيض ما كان عليه أقرانهم المغاربة؛ فإن العرب الأجلاف لأول نزولهم بإسبانية قد تهذبوا وتمدنوا بالأندلس فيما بعد، وباستعدادهم الفطري مالوا إلى التأنق والرفاهية والتحقق بالحضارة العالية، وعكفوا على طلب العلم وقرض الشعر وحفظ الأدب، فكانت أذواقهم في أسمى مكانات السلامة وإحساساتهم في أقصى مظان الرقة كما هو شأن من تحقق بالمدنية وذاق حسن المعيشة وغلب عليهم التأمل والشعر، فكانوا يؤدون من الجوائز على منظومة واحدة ما يكفي لميرة كتيبة كاملة، ولم يكن الأمير الظالم منهم والملك الغاشم السفاح يأنف من الآداب والمعارف، فالفصاحة والموسيقى وسائر فروع العلم والأدب من الأمور الطبيعية عند هذه الأمة، وقد أوتوا ملكة الانتقاد والتمييز ولطف الذوق في نقد أجزاء الكلام وتفاصيل القول مما نعرفه في زماننا لأمة الفرنسيس.
وأما نصارى الشمال فعلى خلاف ذلك كله؛ فإنهم وإن كانوا سلائل أمة قديمة، فحالتهم كانت حالة أمة حادثة أجلاف جفاة أجانب عن العلم منقطعي السبب في العرفان. نعم كان عند بعض أمرائهم مسكة من التربية، لكنهم في هذا الأمر مساكين في جانب أمراء العرب. وإنما كان المسيحيون هناك أنجاد حرب وأحلاس نزال يحبون الهيجاء مثل أقرانهم المسلمين، لكنهم أقوم منهم عليها وأصبر على تحمل مشاقها. ولم يكن عندهم ما تصوره لنا هذه الخيالات الشعرية من أخلاق الفروسية، بل كانوا ضرابي سيف. انتهى.
وقد يحملهم فقرهم على المحاربة بالأجرة وتقديم من يزيد لهم على غيره في الخدمة، وقد رأينا كيف أن الوزير المنصور استخدم جما منهم في حرب ليون وفتح صانتياغو، وتاريخ شمالي إسبانية مملوء بشواهد ذلك من استخدام أمراء المسلمين لفرسان النصارى في الجيش.
ومما يؤيد قول هذا المؤرخ الإنكليزي ما ورد في تاريخ المنصور بن أبي عامر من أنه في انكفائه عن باب شنت ياقب بتلك الغزوة التي لم يبلغ مثلها أحد وقع في عمل القواميس المعاهدين الذين في عسكره، فأمر بالكف عنها، ومر مجتازا حتى خرج على حصن بيليقية من افتتاحه، فأجاز هنالك القوامس بجملتهم على أقدارهم. انتهى.
ويظهر أنهم لم يقتصروا في الخدمة على ملوك الأندلس، بل ربما أجازوا إلى المغرب أجنادا عند ملوكه. وابن خلدون يروي أنه كان يغمراسن بن زيان صاحب تلمسان قد استخدم طائفة منهم مستكثرا بمكانهم مباهيا بهم في المواقف والمشاهد.
ولنعد إلى كلام ستانلي لانبول؛ قال: «ولكن لم يوجد من هؤلاء من بلغ شهرة السيد بطل إسبانية، واسمه لذريق دياز البيفاري، ولقب بالسيد لكون ذلك هو اللقب الذي كان يدعوه به المغاربة، وهو مخفف عن سيد بالتشديد
10
إلى أن قال: وهو محارب شهير، كان يتقدم الصفوف مثل جلياد أمام جيوش بني إسرائيل، ولم يعرف أحد طار له من الشهرة في الغزو أكثر من «سيدي القمبدور» كما كانوا يدعونه، كما أنه ليس من السهل أن يقرر الإنسان الحقيقة ويمحص الواقع مما يحاط به اسم السيد من الوقائع؛ لأن مؤرخي النصارى يقولون: إنه يستحيل الإحاطة بوصفه، وإن الأناشيد الإسبانيولية تتوج السيد بالفضائل والكمالات، وتنسى أن تلك الفضائل كانت مجهولة أو غير معتبرة عند نفس السيد ومعاصريه، وكتاب العرب الذين هم غالبا أحسن إنصافا للحقوق تجدهم قد شددوا الحكم على ذلك النصراني الذي أذاق مسلمي بلنسية ما أذاقهم من الوبال.» قلت: وأي تشديد فإنك ترى كيف جاء اسم القنبطور مردفا باللعنة في نفح الطيب، وبأي شعر نظم ابن خفاجة نثر عمران تلك البلدة.